Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

 

الله طرق إعلانه عن ذاته

عوض سمعان

 

مقدمة

إن تجسُّد الله، أو بالحري ظهوره في الجسد، ليعلن لنا ذاته بهيئة نستطيع إدراكه بها، ويقرّبنا إليه بوسيلة نستطيع الاقتراب بها منه، والسلوك في حالة التوافق معه، هو أعظم إحسان تنازل به لنا نحن البشر. ولذلك قال الرسول بولس عنه: عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد (1تيموثاوس 3: 16).

والحق أن إحساناً عظيماً مثل هذا، كان من الواجب أن يتقبّله بل أن يتلقَّفه كل إنسان، بكل حمد وشكر، لأنه فضلاً عن توافقه مع كمال الله كل التوافق، فهو يتناسب مع حاجتنا إليه كل التناسب. ولكن مما يؤسف له، أن بعض العقليّين (أو بالحري الذين يطلقون على أنفسهم اسم العقليّين) رفضوا هذا الإحسان العظيم، بدعوى أنه لا يتفق مع العقل، وبذلك حرموا أنفسهم، كما حرموا أتباعهم، من التمتع بمزايا تجسُّد الله، التي تفوق في قدرها كل شيء في الوجود.

ونظراً لأهمية هذا الموضوع وخطورته، عكفت، كما عكف ويعكف غيري، على دراسة الكتب الدينية والفلسفية الخاصة به، فوجدت أنه، على عكس ما يقول هؤلاء الناس، يتفق مع العقل المؤمن كل الاتفاق. وسيرى القارئ، في الصفحات التالية، خلاصة وافية لهذه الدراسة. لكن أشير عليه أن يقرأ مع هذا الكتاب، كتابي قضية الغفران والله - ذاته ونوع وحدانيته ، لأنهما يُعتبران في الواقع أساساً لموضوع تجسُّد الله .

والله الحكيم وحده، هو القادر أن يرافق هذا الكتاب بنعمته، لأجل مجده و خير الراغبين في معرفته.

المؤلف

الفهرس

الباب الأول - ظهور الله للبشر

1 - الحاجة إلى ظهور الله للبشر

2 - كيفية ظهور الله للأنبياء، في العهد القديم

3 - الأقنوم الذي كان يظهر للأنبياء في العهد القديم

4 - كيفية ظهور الله للبشر عامة، في العهد الجديد

الباب الثاني - ظهور الله في الجسد

 

1 - نبوات العهد القديم والأدلة على صدقها

2 - شهادة العهد الجديد والأدلة على صدقها

3 - كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت

الباب الثالث - الاعتراضات والرد عليها

1 - الاعتراضات الفلسفية والرد عليها

2 - الاعتراضات الدينية والرد عليها

الباب الرابع - الاسلام وظهور الله

1 - ظهور الله في حيِّز خاص

2 - حلول الله في بعض البشر، وظهوره في ناسوت

3 - تجسُّد كلامه وكلمته

4 - ضرورة وجود متوسط يجمع بين الروحانية والجسمانية،

بين الله والناس

5 - تجسُّد الكلمة الأزلية في المسيح، وظهور الله فيه

 

الباب الخامس - الفلاسفة و ظهور الله في الجسد

 

1 - آراء الفلاسفة المنتمين إلى المسيحيّة اسماً

2 - آراء الفلاسفة المسيحيّين

خاتمة الكتاب

1 - عقيدة التجسُّد

2 - الأدلة على صدقها

3 - أهميتها وفوائدها

مراجع الكتاب

مسابقة الكتاب

الباب الأول

ظهور الله للبشر

في هذا الباب نرى

1 - الحاجة إلى ظهور الله للبشر

2 - كيفية ظهور الله للأنبياء، في العهد القديم

3 - الاقنوم الذي كان يظهر للأنبياء، في العهد القديم

4 - كيفية ظهور الله للبشر عامة، في العهد الجديد.

 

الفصل الأول

الحاجة إلى ظهور الله للبشر

بما أن آدم، بسقوطه في الخطيئة، فقد حياة الاستقامة التي كان قد خُلق عليها أولاً، وفقد تبعاً لذلك امتياز الاتصال الروحي بالله ومعرفة ذاته ومقاصده معرفة صحيحة (لأنه ليست هناك علاقة بين الخطيئة والبر، أو الظلمة والنور)، وبما أننا بوصفنا نسل آدم، قد ورثنا بحكم قانون الوراثة، طبيعته الخاطئة، وعَجزْنا مثله عن الاتصال بالله، ومعرفة ذاته ومقاصده بهذه المعرفة، وبما أن الله وإن كان لقداسته يكره الخطيئة، لكن لمحبته يعطف علينا ويهتم بنا (لأنه سبق وخلقنا على صورته كشبَهه) فقد قال قبل أن يخلق الانسان: نعمل الإنسان على صورتنا كشَبَهنا . (تكوين 1: 26). ويتفق معنا الإسلام على ذلك، فقد جاء في الأخبارخُلق آدم على صورة الرحم ن (العقائد النسفية ص249) كان من البديهي ألاّ يتركنا وشأننا بعد سقوطنا، بل أن يتولّى هدايتنا وإرشادنا إلى الحالة السامية التي كان قد خلقنا عليها أولاً. وبما أننا لا نستطيع أن نفيد من هدايته وإرشاده، طالما كان في معزل عنا، فقد كان من البديهي أيضاً أن يتفضَّل ويظهر لنا، بأي وجه من الوجوه التي تتفق مع جوده وصلاحه.

 

الفصل الثاني

كيفية ظهور الله للأنبياء، في العهد القديم

أولاً - ظهوره بهيئة غير منظورة

بما أن الله منزَّه عن الزمان والمكان، ولا يُرى في ذاته على الإطلاق، لأنه ليس له شكل أو أعضاء، كان من البديهي أنه عندما يعلن لنا ذاته أو مقاصده، أن يكون ذلك بطريقة غير منظورة، فيُسمعنا صوتاً دون أن نرى منه شيئاً. لذلك إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، وجدنا أنه كان يظهر في صوت دون شكل، كما ظهر لآدم (تكوين 3: 8) وصموئيل (1صموئيل 3: 4) وإشعياء وإرميا وغيرهما من الأنبياء. فقد قال موسى النبي لبني إسرائيل: وكلّمكم الرب من وسط النار، وأنتم سامعون صوت كلام، ولكن لم تروا صورة بل صوتاً... فاحتفظوا جداً لأنفسكم، فإنكم لم تروا صورة ما، يوم كلّمكم الرب في حوريب من وسط النار لئلا تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالاً منحوتاً، صورة مثال ما (تثنية 4: 12-16).

و النار رمز لقداسة الله، لأنه من هذه الناحية لا يستطيع الخاطئ أن يتوافق مع الله على الإطلاق (عبرانيين 10: 29)، وهي أيضاً رمز لقوته المطهّرة التي تقضي على كل شر في الناس وغير الناس (1كورنثوس 3: 13)، وهي كذلك رمز للآلام والضيقات، كما سيتبين فيما يلي من هذا الفصل.

والآن وقد عرفنا أن الله كان يظهر لبني اسرائيل في صوت أو كلام، لنسأل أنفسنا:

1 - هل كان من الممكن لبني إسرائيل أن يصدّقوا أن الله هو الذي كان يتكلّم أمامهم، لو أنه كان يُسمعهم صوتاً عادياً، في ظروف عادية، بدلاً من النار المرعبة التي كان يتكلم معهم منها؟

الجواب: أكبر الظن أنهم لم يكونوا ليصدقوا، لأنه ليس كل صوت لا يُعرف مصدره، يكون صادراً من الله.

2 - هل يتوافق مع عطف الله على البشر من جهة، وضعف البشر وقصورهم من جهة أخرى، أن يظهر لهم في نار، كلما أراد أن يعلن لهم ذاته أو مقاصده؟

الجواب: أكبر الظن أنه لا يفعل ذلك، لأن النار مرعبة ومخيفة، فقد استولى بسببها الفزع على بني إسرائيل، حتى أنهم لم يطيقوا أن تُزاد لهم كلمة خشية أن يموتوا، كما هال منظرها موسى النبي نفسه، حتى أنه ارتعب وارتعد (عبرانيين 12: 19-21، تثنية 18: 16). وبما أن الله لكماله لا يريد أن يرعبنا أو يخيفنا، بل أن يمنحنا سلاماً واطمئناناً، كان من البديهي أن يكلّمنا في جو هادئ لا يُرعب أو يُخيف.

3 - قد يسأل سائل: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا كان الله يظهر في نار لبني إسرائيل؟

الجواب: أكبر الظن أنه كان يظهر لهم في نار، لأنهم كانوا وقتئذ شعباً بدائياً، والشعب البدائي لا يفهم الواجب عليه بصوت النعمة بقدر ما يفهمه بصوت القوة. ولكن عندما يسمو روحياً، يستطيع أن يفهم النعمة ويفيد منها، إذا وجد نفسه عاجزاً عن القيام بالواجب عليه من تلقاء نفسه. فالنعمة لا تتجلى للذين لا يعرفون الواجب عليهم، بل للذين يعرفونه، ويشعرون بعجزهم عن أدائه، من تلقاء أنفسهم.

4 - هل يتوافق مع محبة الله للبشر، أن يقتصر في معاملته معهم على الظهور لهم في كلام يُسمعهم إياه؟

الجواب: أكبر الظن أنه لا يقتصر على ذلك، لأنه من شأن المحب أن يُفسح المجال أمام من يحبهم، ليقتربوا منه ويتوافقوا معه. وإذا كان الأمر كذلك، كان من البديهي أن يظهر لهم في هيئة واضحة يمكنهم إدراكها، وعن طريقها يمكنهم الاتصال به والتوافق معه. وبما أننا لا نستطيع أن نتصل أو نتوافق إلا مع إنسان نظيرنا، لأننا لم نألف العيش إلا معه، ولا نفهم إلا لغته، كان من البديهي أن يتنازل الله ويظهر لنا، أو لأكثر الناس استعداداً منا للاتصال به، في هيئة إنسانية أو قريبة من الإنسانية. لذلك لا غرابة إذا طالعنا الكتاب المقدس في مواضع أخرى منه، بأنه كان يظهر أيضاً للأنبياء والقديسين، تارة في هيئة ملاك، و أخرى في هيئة إنسان، كما يتضح فيما يلي:

ثانياً - ظهوره بهيئة منظورة

1 - عندما كانت هاجر في البرية، قيل بالوحي إنه ظهر لها ملاك الله، وقال لها: تكثيراً أُكثِّر نسلك فدعت اسم الرب الذي تكلّم معها أنت إيل رئي أي أنت إله رؤية أو بتعبير آخر أنت إله حقيقي يمكن رؤيته (تكوين 16: 10-13).

وكلمة الرب هنا، ترد في الأصل العبري يهوه أي الكائن بذاته وهو اسم الجلالة الذي يتفرد به، ولذلك قال لهاجر: تكثيراً أكثّر نسلك بينما لو كان ملاكاً عادياً، لكان قد قال لها مثلاً: الرب يكثر نسلك تكثيراً .

2 - وعندما كان إبراهيم الخليل جالساً مرة عند باب خيمته، رأى ثلاثة رجال واقفين، فركض إليهم وتحدَّث معهم. فاتضح له أثناء الحديث أن اثنين منهما كانا ملاكين، وأن الثالث كان هو الرب نفسه. وقد تحقق ابراهيم من شخصية الثالث هذا تحقّقاً كاملاً، ولذلك كان يدعوه تارة المولى وتارة أخرى ديَّان كل الأرض (تكوين 18: 25 و 27). كما قيل بالوحي عن هذا الشخص في خمس آيات متتالية إنه الرب يهوه (تكوين 18: 13، 17، 20، 26، 33). وعندما أمسك ابراهيم السكين بعد ذلك ببضع سنين، ليذبح ابنه اسحق، قيل بالوحي إن ملاك الرب ناداه: لا تفعل به شيئاً... فدعا ابراهيم اسم ذلك الموضع يهوه يرأه ، أي الرب يرى (تكوين 22: 11-14).

3 - وعندما كان يعقوب في بيت خاله لابان، قيل بالوحي إن ملاك الله قال له: ... أنا إله بيت إيل (تكوين 31: 11-13). وبعد ثلاث عشرة سنة بنى يعقوب مذبحاً للرب، وقيل بالوحي إنه دعا المكان إيل بيت إيل، لأن هناك ظهر له الله (تكوين 35: 7). وإيل كلمة عبرية معناها الله .

4 - وعندما كان موسى يرعى غنماً في البرية، قيل بالوحي إن ملاك الرب ظهر له بلهيب نار من وسط عليّقة. ولما دنا موسى إليها ليراها، قيل بالوحي: فلما رأى الرب أنه مال لينظر، ناداه الله: أنا إله أبيك، إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب (خروج 3: 4، 6، 15).

والعلّيقة نبات متسلق أو متعلق، يعتمد في نموه أو تمدده على الأشجار أو الجدران التي يتسلق عليها أو يتعلق بها، وهي لذلك أنسب رمز لضعف اليهود في أرض الفراعنة، وحاجتهم الماسة وقتئذ إلى معونة الرب لهم. وعدم احتراق العلّيقة التي رآها موسى، على الرغم من النيران التي كانت تحيط بها، إشارة إلى حفظ الله لبني إسرائيل من الفناء بيد فرعون.

5 - وعند خروج بني إسرائيل من مصر، قيل بالوحي وكان الرب يهوه يسير أمامهم (خروج 13: 21)، ولما اقترب فرعون بجيوشه منهم قيل بالوحي: فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر اسرائيل، وسار وراءهم (خروج 14: 19).

6 - ولما ذهب منوح مع زوجته مرة إلى حقله، رأى إنساناً، فسأله عن اسمه، فأجابه: لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب! . ويتبيَّن في الفصل التالي أنه كان أقنوم الابن قبل ظهوره للعالم. وهذا الأقنوم، كما نعلم، عجيب في كل شيء: فهو غير المنظور والمنظور، وهو غير المتحيّز بحيزٍ ويظهر في حيزٍ، وهو الله وابن الله معاً، وهو ابن الله وابن الإنسان أيضاً. فضلاً عن ذلك فهو عجيب في تجسده، وعجيب في حياته على الأرض، وعجيب في موته، وعجيب في قيامته، وعجيب ... وعجيب ... كما ذكرنا في الباب الثالث من كتاب الله - ذاته ونوع وحدانيته .

وعندما تجلَّت لمنوح حقيقة هذا الإنسان، أثناء صعوده إلى السماء، سقط هو وزوجته على وجهيهما إلى الأرض، ثم قال لها: نموت موتاً، لأننا قد رأينا الله (قضاة 13).

(منوح هو أبو شمشون، وقد ظهر له الرب قبل ولادة ابنه هذا لينبئه بولادته، ويعطيه بعض التعليمات الخاصة بتربيته، ومن أهمها عدم إعطائه مسكراً).

مما تقدم، يتضح لنا أن الذي كان يظهر للأنبياء، في هيئة ملاك تارة، وفي هيئة إنسان تارة أخرى، ليعلن لهم في شخصه ذات الله ومقاصده، وكان يُدعى الملاك بال التعريف، أو ملاك العهد . ولم يكن في الواقع ملاكاً أو إنساناً، بل كان هو الرب يهوه نفسه، متنازلاً في هيئة منظورة، هذا طبعاً ما لم يكن قد اتضح من حديثه، أنه ميخائيل أو جبرائيل، أو ملاك آخر. وذلك للأسباب الآتية:

1 - إنه كان يعلن لمن يظهر لهم، أنه يهوه والله ، وان الأنبياء أيضاً كانوا يعلنون أنه يهوه والله كما كانوا يعلنون في مواضع أخرى أنه حضرة الله و وجه الرب . و حضرة الله و وجه الرب ، ليسا شيئاً سوى ذات الله أو الرب ، أو بتعبير أدق ليسا شيئاً سوى الله أو الرب في حالة الظهور. (تثنية 4: 37، خروج 14: 24 و33: 14 و16، عدد 6: 24 و 25، مزمور 139: 7).

2 - إن الأعمال التي كان يقوم بها كالرعاية والهداية والخلاص، ومنح النعم والبركات، تدل على أنه كان هو الله بعينه. لأنه لا يمكن أن يقوم بهذه الأعمال كائن سواه.

3 - إن كلمة الملاك أو ملاك الرب ، وردت في الكتاب المقدس مرادفاً لاسم الرب أو الله . فقد قال زكريا النبي: مثل الله، مثل ملاك الرب (زكريا 12: 8)، وقال الوحي عن يعقوب: جاهد مع الله، جاهد مع الملاك (هوشع 12: 3 و 4). وقال يعقوب عندما بارك ابني يوسف: الله الذي رعاني، الملاك الذي خلصني، يبارك الغلامين (تكوين 48: 15 و16) لأنه لم يكن في ذاته ملاكاً من ملائكة الله، بل كان، كما سبقت الإشارة، هو أقنوم الابن. ومما تجدر الإشارة إليه في هذه المناسبة أن الترجوم اليهودي قد أطلق على ملاك يهوه أو ملاك الرب اسم شكينا ، وهي إحدى الكلمات العزيزة لدى المؤمنين قاطبة، ومعناها سكنى الله أو حضوره . ويستنتج من الترجوم أن شكينا ، مثل ممرا أو كلمة الله ، لا يراد بها مجرد معنى بل ذات. وكانت تُطلق في الأصل على حلول مجد الرب بين الكروبين (وهما تمثالا الملاكين، اللذان كانا على غطاء التابوت في قدس الأقداس - خروج 37: 6-9). وهذا الحلول، كان في الواقع مثالاً لما كان عتيداً أن يقوم به أقنوم الابن في الجسد على الأرض وقتاً ما، وفي الروح لجميع المؤمنين الحقيقيين إلى الأبد. فقد قال الوحي عن هذا الأقنوم: والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً (يوحنا 1: 14، إقرأ أيضاً يوحنا 14: 23، ومتى 18: 19).

وكان العرب يعرفون شيئاً عن شكينا ، وكانوا ينطقونها سكينة (كما هو الحال في جميع الكلمات العبرية، التي بها حرف ش ). والسكينة، وإن كانت لغة هي الهدوء والطمأنينة، إلا انها أيضاً كما جاء في (قاموس المحيط ج4 ص 237)، شيء كان له رأس من زبرجد وياقوت، وله جناحان . وهذا الوصف ينطبق إلى حد كبير على الكروب أو الملاك. وقد وردت هذه الكلمة عينها في (سورة البقرة 248)، فقيل إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة . وقد ذهب علماء الدين، كما يقول الطبري إلى أن السكينة لها وجه إنسان ثم هي ريح هفافة ، وهذا الوصف يمكن أن ينطبق على الكروب أو الملاك. أو أنها الرحمة والوقار . والرحمة يمكن أن تكون اسم غطاء التابوت، الذي كان يوجد عليه الكروبان، والوقار يمكن أن يكون وصفاً للحالة التي كانا يبدوان بها (إقرأ مثلاً سفر الخروج 25: 1-22). ومما تجدر ملاحظته أن القديس أثناسيوس، الذي عاش في القرن الرابع، قد وصف التابوت بأنه تابوت السكينة قاصداً بذلك أن التابوت هو رمز لسكنى الله مع شعبه (1صم 5: 6، 2صم 6). وهذا التابوت، كما يتضح لكل من درس التوراة ورموزها، كان رمزاً للمسيح، ليس فقط من جهة حلوله بلاهوته وسط المؤمنين به، بل أيضاً من جهات كثيرة خاصة بذاته وصفاته وأعماله.

وقد يسأل بعض الناس: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يبدو من بعض الآيات الأخرى أن ملاك يهوه هو كائن غير يهوه ؟

الجواب: مرّ بنا أن ملاك يهوه هو أقنوم الابن، الذي إذا نظرنا إليه من حيث الأقنومية، هو غير الآب والروح القدس. ولكن إذ نظرنا إليه من حيث الجوهر، فهو واحد مع هذين الأقنومين في اللاهوت بكل خصائصه وصفاته، كما يتضح من الآيات المذكورة أعلاه. ولذلك فهو من الناحية الواحدة ملاك يهوه ، ومن الناحية الأخرى هو يهوه بعينه. كما أنه من جهة الناسوت، الذي اتخذه في العهد الجديد، (والذي كان الوحي يعلن في العهد القديم أنه مزمع أن يتخذه) هو ابن الإنسان . ومن جهة اللاهوت هو ابن الله الواحد مع الأقنومين الآخرين في اللاهوت - ونظراً لأننا سنتحدث عن هذه الحقيقة بالتفصيل في الفصول المقبلة، نكتفي هنا بهذه الملاحظة.

4 - كلمة ملاك ليست في الأصل اسماً للمخلوق الذي يُعرف بهذا الاسم، بل إنها اسم للمهمة التي يقوم بها، وهي تبليغ الرسائل . فالاصطلاح ملاك الرب معناه حسب الأصل المبلِّغ لرسائل الرب . ولما كان الرب هو خير من يقوم بتبليغ رسائله (لأن كل ما عداه محدود، والمحدود لا يستطيع أن يعلن إعلاناً كاملاً، ذات أو مقاصد غير المحدود) لذلك يحق أن يسمَّى الرب من جهة ظهوره لتبليغ رسائله ب- ملاك الرب بمعنى المعلن لمقاصده أو المعلن لذاته ، أو بالحري بمعنى ذاته معلناً أو متجلياً لأنه لا يعلن ذات الله سوى الله، إذ أن كل ما عداه محدود، والمحدود لا يستطيع أن يعلن غير المحدود، كما ذكرنا.

 

الفصل الثالث

الأقنوم الذي كان يظهر للأنبياء في العهد القديم

بما أن أقنوم الابن أو الكلمة هو الذي يعلن الله (أو اللاهوت) منذ الأزل الذي لا بدء له، فلا شك أنه هو الذي كان يظهر للأنبياء والأتقياء السابق ذكرهم، تارة في هيئة ملاك وتارة أخرى في هيئة إنسان، ليعلن لهم ذات الله (أو اللاهوت) مع مقاصده. والأدلة الآتية تثبت أيضاً هذه الحقيقة:

1 - العبارة ظهر الرب ، الواردة في (تكوين 12: 7، 26: 2 و24)، يُراد بها في الأصل العبري ظهر كلمة الرب . ولذلك نرى أن أنقيلوس اليهودي (الذي ترجم التوراة من العبرية إلى الأرامية، في القرن الثاني قبل الميلاد) استعاض في ترجمته عن اسم الله، بكلمة ممرا أي الكلمة . كما استعيض عن اسمه تعالى بهذه الكلمة في التلمود والمدراش معاً، وهما أهم الكتب المقدسة عند اليهود بعد التوراة.

2 - شهد فيلون الفيلسوف اليهودي المشهور (الذي عاش قبل الميلاد، والذي كان على دراية تامة بكل أسفار التوراة) أن اللوغوس أو الكلمة هو الذي كان يظهر في هيئة ملاك لإبراهيم وإسحق ويعقوب، وغيرهم من الآباء.

3 - كان الأنبياء يعبّرون عن كيفية وصول الوحي إليهم بالقول: وكانت كلمة الرب إلى (...النبي) قائلاً (زكريا 1: 1 وحجي 1: 1). ومما يدل على أنه لا يُقصد ب- كلمة الرب هنا مجرد كلام، بل شخص أو ذات. و يُستنتج من أقوال الوحي أن لها الشخصية أو الذاتية ذات الكيان الواقعي، والتي لها أيضاً عمل وكلمة. فقد قال حزقيال النبي بالوحي إن كلمة الرب صارت إليَّ قائلة: يا ابن آدم قد جعلتك رقيباً لبيت إسرائيل. فاسمع الكلمة من فمي وأنذرهم من قِبلي (حزقيال 3: 17، 18)، وهذا دليل على أن كلمة الرب (الذي كان يظهر للأنبياء)، لم يكن مجرد كلام كما ذكرنا، بل كان أقنوم الكلمة بعينه.

وكلمة كلمة الواردة في هذه العبارة، ترد في الأصل العبري في صيغة المذكر، وهي نفس الكلمة الواردة في الآيتين السابقتين المقتبستين من (زكريا 1: 1، وحجي 1: 1) ومعناها الحرفي تدبير أو فكر . ولذلك فالآية الواردة في (حزقيال 3: 17، 18) تُترجم، حسب النص الحرفي للغة العبرية ان كلمة الرب صار إليَّ قائلاً.... مثل الآيتين الواردتين في سفري زكريا وحجي تماماً.

4 - جاء في كتاب (الحكمة) عن الكلمة أنها واحدة، وأنها تحيا عند الله وتجلس على عرشه وتعلم أسراره وأنها الصانعة لكل عمل من أعماله، وأنها تتجلى للذين يحبونها باسمة لهم راضية عنهم، وأنها ترافقهم أثناء سيرهم في هذا العالم وتنجّيهم من أعدائهم، وفي الآخرة تتولى مكافأة الصالحين على أعمالهم. وهذا دليل آخر على أن أتقياء اليهود كانوا يعتقدون أن الكلمة أو كلمة الله ليست مجرد لفظ أو عبارة، بل أنه الله . أو بحسب الاصطلاح المسيحي أقنوم الكلمة لأنه وحده يستطيع القيام بهذه الأعمال.

5 - كانت التوراة قد أعلنت بكل صراحة، أن المسيح المزمع أن يأتي إلى العالم هو ملاك العهد (ملاخي 3: 1، 2)، وأنه أيضاً هو ابن الإنسان أو إنسان (دانيال 7: 13 وحزقيال 1: 26). وقد أعلن العهد الجديد كذلك أن المراد ب- ملاك العهد وابن الإنسان الوارد ذكرهما في هذه الآيات هو المسيح أو أقنوم الكلمة نفسه (متى 11: 10، 24: 30)، مما يدل على انه ذات المولى الذي كان يظهر للأنبياء والأتقياء في هيئة ملاك أو إنسان في العهد القديم.

6 - معنى ملاك في الأصل رسول . وإذا رجعنا إلى العهد الجديد وجدنا أن أقنوم الكلمة أوالمسيح يُدعى (من ناحية كونه ابن الإنسان) رسولاً. فقد قيل عنه إنه رسول اعترافنا (عبرانيين 3: 1)، وإنه أُرسل من عند الله لنا. أو بتعبير آخر إنه رسول الله (أو اللاهوت) لنا (غلاطية 4: 4) لأنه هو الذي يعلنه ويُظهره. وطبعاً ما كان من الممكن لغيره أن يقوم بهذه المهمة، لأن كل ما عداه مخلوق، والمخلوق محدود، والمحدود لا يستطيع أن يعلن غير المحدود.

 

الفصل الرابع

كيفية ظهور الله للبشر عامة، في العهد الجديد

أولاً - الحاجة إلى ظهوره في الجسد

عرفنا مما سلف أنه بسبب سقوطنا في الخطيئة قد فقدنا امتياز الاتصال بالله ومعرفة ذاته ومقاصده معرفة صحيحة. ولذلك كان أقنوم الكلمة أوالابن يظهر للأنبياء والأتقياء في العهد القديم في هيئة ملاك أو إنسان، ليقرِّبهم إلى الله ويعلن لهم ذاته ومقاصده. لكن ظهوره بهذه الهيئة أو تلك، وإن كان كافياً حينذاك للمهمة التي كان يظهر من أجلها، لم يكن ظهوراً كاملاً أو عاماً، إذ أنه لم يكن يفسح المجال لهم للتوافق مع الله أو الانسجام معه، كما أنه كان قاصراً عليهم وحدهم، ولذلك لم يفد منه غيرهم من البشر. وبما أن الله يتَّصف بالمحبة المطلقة التي تتَّجه إتجاهاً كاملاً إلى جميع البشر بلا استثناء، كان من البديهي ألاَّ يكتفي الله بمثل هذا الظهور الشكلي أو يجعله قاصراً على فئة الأنبياء دون غيرهم. ولذلك لا غرابة إذا طالعنا في الكتاب المقدس بعد ذلك أن الله أو بالحري أقنوم الابن ظهر في جسد حقيقي مثل أجسادنا، وعاش على أرضنا مدة مناسبة من الزمن، خاطب فيها البشرية وأعلن ذاته إعلاناً واضحاً جلياً.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذه المناسبة، انه جاء في (سورة الشورى 51): وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب ، والكتاب المقدس كان قد أعلن من قبل، أن جسد المسيح هو الحجاب (عبرانيين 10: 20) الذي كلمنا الله من ورائه، فقد قال: الله بعد ما كلم الآباء بالانبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه (عبرانيين 1: 1، 2).

ثانياً - توافق ظهوره في الجسد، مع ذاته وصفاته

ينظر بعض الناس إلى ظهور الله في الجسد كأمر غريب، ولكنه في الواقع ليس أكثر غرابة من ظهوره للأنبياء والأتقياء السابق ذكرهم، في هيئة منظورة أو غير منظورة، لأن الغرابة ليست في اتخاذه جسداً مثل أجسادنا، بل الغرابة هي في: كيف يكون غير المحدود معيَّناً (واللامحدودية تتعارض عقلياً مع التعيُّن) وكيف يظهر المنزَّه عن المكان في مكان، وظهوره فيه يتعارض عقلياً مع عدم تحيّزه بمكان؟ وكيف يصبح المنزَّه عما سواه ذا علاقة مع سواه، والعلاقة معه تتعارض عقلياً مع ثباته، وعدم انتقاله من حال إلى حال؟ وكيف يتكلم من لا أعضاء له ولا تركيب فيه، والتكلم يتطلب وجود أعضاء أو تركيب في المتكلم؟ وهذه الصعوبات تواجهنا عند البحث في كيفية تحدُّث الله مع الأنبياء والأتقياء، وفي كيفية ظهوره لهم بهيئة منظورة أو غير منظورة. بل وتواجهنا أيضاً عند التأمل في كُنْه ذاته، ووجود علاقات بينه وبين خلائقه، كما تواجهنا عند البحث في ظهوره في جسد إنسان سواءً بسواء. ولذلك لا يحق لإنسان يؤمن بظهور الله للأنبياء وتحدُّثه معهم، أو حتى بوجوده الذاتي وإمكانية معرفته، والدخول في علاقة معه، أن يعترض على ظهوره في الجسد بأي وجه من الوجوه. فإذا أضفنا إلى ذلك أن ظهوره في الجسد هو وسيلة لإعلان محبته الكاملة للناس، اتضح أيضاً لنا أن ظهوره فيه لا يتعارض مع ذاته أو صفاته في شيء. بل بالعكس يتوافق مع ذاته وصفاته كل التوافق، لأن المحبة ليست دخيلة على الله، بل إنها (إن جاز التعبير) هي من نفس كيانه، وذلك للأسباب الآتية:

(أ) خلق الله الإنسان على صورته كشبَهه ليكون في حالة التوافق معه، ولذلك لا يستنكف من أن يتخذ لنفسه أيضاً جسداً مثل جسده، إذا رآه في حاجة إلى إحسان يتطلَّب ظهوره له في هذه الهيئة.

(ب) إن ظهوره للإنسان في جسد مثل جسده، ليس في الواقع إلا مظهراً من مظاهر المحبة له والعطف عليه، ليستطيع الإنسان أن يدنو منه ويحيا معه. وغرض مثل هذا يتوافق مع كمال الله وصلاحه كل التوافق.

(ج) إن ظهوره في مثل هذا الجسد لا يترتب عليه حدوث أي تغيير في ذاته أو خصائصه وصفاته، كما يتضح لنا بالتفصيل في الباب التالي.

ثالثاً - توافق ظهور الابن في الجسد، مع أقنوميته

(1) بما أن أقنوم الابن هو الذي كان يعلن الله للأنبياء في العهد القديم، في هيئة ملاك أو إنسان كما مرَّ بنا، كان من البديهي أنه هو الذي يتخذ أيضاً لنفسه جسداً ليقوم بهذه المهمّة للبشرية بصفة عامة.

ويعتقد كثير من علماء المسلمين في تجسُّد الحقيقة المحمدية ما نعتقده في تجسد أقنوم الابن تقريباً، فقد جاء في كتاب الدين والشهادة ص 169-182: إنك أمام الحقيقة المحمدية أمام نور الأنوار الذي تجسّم وتجسّد فكان ذاتاً بشرية، ثم كان محمداً بن عبد الله .

(2) لئن كان الله بأقانيمه الثلاثة هو الذي خلقنا، إلاَّ أن الخلق يُنسب بصفة خاصة إلى أقنوم الابن ، وبما أن الذي خلقنا هو الذي يتولى أمر خلاصنا وهدايتنا إليه، كان من البديهي أيضاً أنه هو الذي يقوم باتخاذ الجسد المذكور، دون الأقنومين الآخرين.

 

الباب الثاني

ظهور الله في الجسد

في هذا الباب نرى

1 - نبوات العهد القديم، والأدلة على صدقها

2- شهادة العهد الجديد، والأدلة على صدقها

3 - كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت.

 

الفصل الأول

نبوات العهد القديم، والأدلة على صدقها

أولاً - النبوات

لما كان ظهور الله في الجسد، مع توافقه مع كماله، ومع حاجة البشرية الماسة إليه، يسمو فوق العقل والإدراك، رأى الله بحكمته أن يوحي إلى أنبيائه للتنبؤ عنه قبل حدوثه بمئات السنين، ليمهد للذين يشاهدون ظهوره في الجسد، أو يسمعون أنه ظهر فيه، سبيل الإيمان به والإفادة منه، دون تردد أو تأخّر. وفيما يلي أهم نبوات هؤلاء الأنبياء، وتعليق رسل العهد الجديد بالوحي عليها:

1 - سجَّل داود النبي سنة 1000 ق. م في مزمور 40: 6-8 خطاباً وجَّهه الابن بصفته الناسوتية التي كان عتيداً أن يظهر بها في العالم، إلى الله، جاء فيه: بذبيحة وتقدمة لم تُسرّ. أذنيَّ فتحْتَ. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلت هأنذا جئت، (لأنه) بدرج الكتاب مكتوب عني: أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت . وقد اقتبس هذه الآية كاتب الرسالة إلى العبرانيين سنة 70 م، فقال بالوحي: لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا. لذلك عند دخوله (المسيح) إلى العالم، يقول: ذبيحة وقرباناً لم ترد، لكن هيّأت لي جسداً، لأنه بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسرّ. ثم قلت هأنذا أجيء، (لأنه) في درج الكتاب مكتوب عني، لأفعل مشيئتك يا الله (عبرانيين 10: 4-9).

إن الذبائح الحيوانية لا تصلح كفّارة عن الإنسان، إذ أن الكفّارة يجب ألا تقلّ قيمتها عن قيمة ما تكفّر عنه، وهذه الذبائح أقلّ في قيمتها من قيمة الإنسان كثيراً . كما أن جميع الأعمال الصالحة التي يمكن أن يقوم بها الإنسان، لا تصلح كفّارة عنه، لأنها مهما كثرت وعظمت فهي محدودة، والإساءة التي نتجت من خطاياه هي إساءة إلى حقوق غير محدودة، لأنها حقوق الله ذاته. و لا يمكن أن أشياء محدودة تكون كفّارة عن أمور غير محدودة. ولذلك فإن الله وحده هو الذي يستطيع أن يكفّر عن الإنسان، لأنه هو وحده الذي يعرف حقوقه غير المحدودة. (لزيادة الايضاح اقرأ كتاب قضية الغفران).

والعبارة أذنيَّ فتحت أو ثقبت ، هي اصطلاح ديني يُقصد به إعلان الطاعة الاختيارية الكاملة، ويرجع استعماله بين البشر بهذا المعنى إلى عصر موسى النبي. فقد جاء في سفر الخروج 21 أنه إذا اشترى يهوديٌ عبداً يهودياً، فست سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حراً مجّاناً. لكن إن قال هذا العبد: أُحبّ سيدي، لا أخرج حراً ، يقرّبه سيده إلى قائمة الباب، ويثقب أذنه، فيخدمه العبد المذكور إلى الأبد. ولذلك فقول السيد المسيح، بصفته الناسوتية، لله: أذنيَّ ثقبت ، يدل على اتخاذه بمحض اختياره صورة العبد الكامل، الذي يحب الله محبة لا حدَّ لها، والذي ليست له رغبة سوى أن يحقق مقاصده تحقيقاً كاملاً. وهذه المقاصد هي إعلان محبته المطلقة للبشر، وتقريبهم إليه، وجَعْلهم في حالة التوافق معه إلى الأبد. ولا جدال في أنه لا يستطيع القيام بتحقيق المقاصد المذكورة سوى المسيح لأنه بوصفه أقنوم الكلمة الأزلي هو في ذاته المعلِن لله ولكل مقاصده. أما كل من عداه فمخلوق، والمخلوق محدود، والمحدود لا يستطيع أن يحقق أمراً من أمور غير المحدود. ولا جدال أيضاً في أن الوسيلة الوحيدة التي بها يحقق المسيح هذه المقاصد هي بالظهور في جسد مثل أجسادنا، أو بتعبير آخر في صورة عبد مثلنا، لأنه بدون هذه الوسيلة لا نستطيع نحن العبيد المحدودين أن ندرك محبة الله غير المحدودة، وبالتالي لا نستطيع التمتع بها أو الإفادة منها. ومما تجدر ملاحظته في هذه المناسبة، أننا إذا رجعنا إلى فلسفة ابن العربي وجدنا أن الاصطلاح العبد الكامل يرد فيها وصفاً للكائن الذي يدعى كلمة الله كما ذكر الكتاب المقدس من قبل في إشعياء 42: 1 و 19 وفيلبي 2: 6-8. وسنتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل في الباب الرابع.

ومجيء الكلمة إلى العالم، أو بالحري ظهوره فيه، لا يكون مدركاً إلا إذا كان في جسد يمكننا إدراكه، لأن الكلمة موجود بلاهوته في الكون منذ الأزل، ومع ذلك لم يستطع واحد من البشر أن يدرك به محبة الله المطلقة، قبل ظهوره في الجسد. ويقول جئتُ بصيغة الماضي، مع أنه لم يكن قد جاء بعد، لأن مجيئه إلى العالم كان مقرراً حدوثه في الأزل.

والدَّرْج هو ما يُكتب فيه، ويُراد ب- درج الكتاب التوراة، فقد أنبأت في كل سفر من أسفارها تقريباً أن المسيح سيظهر لإتمام مشيئة الله التي لم يستطع أحد إتمامها، وأنبأت بذلك قبل ظهوره على الأرض بمئات السنين. وقد جاء المسيح - الكلمة - ليعلن مشيئة الله وهي إعلان محبته المطلقة للناس، وإنقاذهم من خطاياهم وقصورهم الذاتي، ليستطيعوا التوافق مع الله والتمتع به.

ويخاطب المسيح الآب هنا بقوله: لأفعل مشيئتك يا الله . ولا يعتبر الله إله المسيح من جهة أقنوميته، لأن المسيح من هذه الجهة هو الله (إذ هو واحد مع الأقنومين الآخَريْن في اللاهوت). (أقرأ كتاب: الله ذاته ونوع وحدانيته)، بل من جهة ناسوته الذي كان عتيداً أن يأخذه، لأن المسيح من هذه الجهة، كان قد ارتضى أن يصير في شبه الناس (فيلبي 2: 7) لإتمام مقاصد الله الأزلية، كما ذكرنا.

وقيام الكلمة أو الابن بصفته الناسوتية بإتمام مشيئة الله، لم يكن رغماً عنه بل كان برضاه، ولم يكن برضاه فحسب، بل كان بسرور منه أيضاً، وهذا ما يتوافق مع كماله كل التوافق، وهذا ما يجعل لأعمال محبته الفدائية قيمة ثمينة في نظر العارفين بها.

2 - وقال إشعياء النبي قبل ظهور المسيح بسبعمائة وخمسين سنة: ها العذراء تحبل وتلد ابناً، وتدعو اسمه عمَّانوئيل (اشعياء 7: 14)، وقد اقتبس متى الرسول هذه الآية بالوحي، بعد المسيح بأربعين سنة تقريباً، فقال بعد تسجيله لحديث الملاك مع العذراء: وهذا كله ليتم ما قيل بالنبي القائل، هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمَّانوئيل، الذي تفسيره الله معنا (متى 1: 22 و 23).

وقد ادّعى دافيد ستروس أحد الملحدين في القرن التاسع عشر، أن الكلمة المترجمة العذراء في هذه الآية، معناها المرأة . فدفع ادعاءه جيمس أور العلامة البريطاني، والأستاذ دشيان أستاذ اللغة العبرية في جامعة أكسفورد، بأن هذه الكلمة هي في الأصل العبري علما أي غُلامة ، أو فتاة في سن الزواج ، أو بالحري عذراء .

وقد شهد علماء اللغة العبرية أن الكلمة المترجمة عذراء هنا هي نفس الكلمة المترجمة فتاة، للدلالة على بكورية رفقة، ومريم أخت موسى (تكوين 24: 43، خروج 2: 8). كما أن جمعها هو المترجم العذارى في (مزمور 68: 25، نشيد 1: 3، 6: 8). فضلاً عن ذلك فإن هذه الكلمة تُرجمت، بواسطة علماء اليهود أنفسهم، في الترجمة السبعينية بارثينوس أي عذراء اث هقلهى *هقفا ب اقهسفو؛ز 10 - والغُلامة والعذراء واحد في البكورية، والفرق الوحيد بينهما أن الأولى تكون صغيرة السن، أما الثانية فقد تكون صغيرة السن وقد تكون كبيرة. ولما كانت العذراء مريم، كما يتضح من التاريخ الديني صغيرة السن، كان من البديهي أن يصفها الوحي بكلمة غُلامة .

كما ادّعى بعض الناس أن هذه النبوة يقصد بها الإشارة إلى أن النبي إشعياء سينجب ولداً، لكن هذا الادعاء لا نصيب له من الصواب، للأسباب الآتية: (1) إن التي ستلد هذا الشخص عذراء، والشخص الوحيد الذي وُلد من عذراء هو المسيح، كما هو معلوم لدينا. (ب) ان اسم ابن إشعياء لم يكن عمَّانوئيل ، بل كان مهير شلال حاش بز ، كما يتضح من (اشعياء 8: 3). (ج) ان اسم عمَّانوئيل ينطبق على المسيح وحده، لأن معناه الله معنا أو الله الظاهر لنا ، والمسيح هو الله معنا، والله الظاهر لنا.

3 - وقال على لسان اشعياء النبي أيضاً: لأنه يولد لنا ولد، ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام (اشعياء 9: 6 و 7). وقد تحققت هذه النبوة بحذافيرها في المسيح. فقبل ولادته كان الملاك قد قال للعذراء عنه: .... وابن العلي يُدعى، ولا يكون لملكه نهاية (لوقا 1: 32 و 33). وعند ولادته جاء ملاك وخاطب جمهوراً من الناس قائلاً: لا تخافوا فها أنا أبشّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، إنه وُلد لكم اليوم في مدينة داود، مخلّص هو المسيح الرب (لوقا 2: 11) وظهر بغتة مع هذا الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرّة (لو 2: 13 و 14).

ومما تجدر الإشارة إليه في هذه المناسبة أن المسيح يُدعى ابن الله قبل الولادة من العذراء، وبعد الولادة منها. فيُدعى بهذا الاسم قبل ولادته منها، بوصفه الذي كان يعلن الله منذ الأزل، ويُدعى به بعد ولادته منها، بوصفه الذي يعلن الله للبشر في الزمان.

والصفات الواردة في إشعياء 9: 6، 7 تنطبق على المسيح وحده، فهو الذي له الرياسة المطلقة (رؤيا 19: 16)، وهو الذي له المشورة والتدبير (أمثال 8: 14)، وهو القادر على كل شيء (رؤيا 1: 8)، وهو أبو الأبدية الذي ليس لملكه نهاية (لوقا 1: 33)، وهو رئيس السلام، لأنه هو الذي يمنحنا السلام مع الله والسلام مع أنفسنا أيضاً، حتى وسط الشدائد والضيقات (يوحنا 14: 27، أفسس 2: 7-14، فيلبي 4: 7).

وتسبيحة الملائكة في لوقا 2: 14 تتوافق مع ميلاد المسيح كل التوافق، لأنه بظهوره أعلن محبة الله لنا وسروره بنا، على الرغم من عدم استحقاقنا لأي عطف أو محبة، فامتلأنا ابتهاجاً وسلاماً وانطلقنا تبعاً لذلك إلى تمجيده وإكرامه، كما انطلقت الملائكة من قبل إلى ذلك.

ثانياً - الأدلة على صدقها

وبالتأمل في نبوات التوراة السابق ذكرها، يتضح لنا أنه فضلاً عن كونها مدوَّنة بالوحي الإلهي، وقد أُشير إليها وعُلِّق عليها بواسطة رسل العهد الجديد بالوحي الإلهي كذلك، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإن الأدلة العقلية أيضاً تثبت صدقها، أو بالحري صدق ظهور أقنوم الابن في الجسد، كما يتضح مما يلي:

1 - بما أن هذه النبوات ليست مسجَّلة في الإنجيل، بل مسجَّلة في التوراة التي يحتفظ بها اليهود إلى الوقت الحاضر من قبل الميلاد بمئات السنين، إذن لا سبيل للظن بأن رسل المسيح ابتدعوا موضوع ظهور الله في الجسد من عندياتهم. كما أنه لا سبيل للظن بأن شهادتهم عن ظهوره كانت نتيجة لاطلاعهم على التوراة واقتباسهم الآيات الخاصة به منها، لأنهم كيهود كانوا لا يصدقون أن المسيح يأتي في حالة التواضع، وأنه يُرفض ويُصلب. فليس هناك شك في أن شهادتهم عنه هي التي جاءت مطابقة للآيات السابق تسجيلها في التوراة عنه.

2 - وبما أن هذه النبوات لم تُكتب بواسطة أشخاص مجهولين، بل بواسطة داود وإشعياء، اللذين كانا من أشهر أنبياء الله المتمسكين بوحدانيته وتنزُّهه عن الزمان والمكان والجسم والصورة، وغير ذلك من الأعراض، إذن فمن المؤكد أنهما لم يكتباها بوحي من خواطرهم أو عواطفهم، بل كتباها بوحي من الله وحده.

3 - أخيراً، بما أن معنى هذه النبوات ليس عاماً، لأنه لا ينطبق إلا على شخص واحد يكون هو الله وإنساناً معاً، إذن لا شك في أنها قيلت عن المسيح وحده، كما يتضح من النبوات السابق ذكرها، وتعليق رسل العهد الجديد بالوحي عليها.

 

الفصل الثاني

شهادة العهد الجديد والأدلة على صدقها

أولاً - شهادته

فضلاً عن شهادة المسيح عن نفسه بأنه ابن الله (يوحنا 9: 35)، أو بالحري بأنه هو الله ظاهراً (أقرأ الباب الثالث من كتاب الله - ذاته ونوع وحدانيته ) فقد شهد رسله بالوحي، بعشرات الآيات عن هذه الحقيقة. وللاختصار نكتفي بما يأتي:

1 - قال بولس الرسول: ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبنّي (غلاطية 4: 4 و5). وملء الزمان اصطلاح ديني، يُراد به الزمن المعيَّن عند الله، الذي تتم فيه مقاصده الأزلية. فالمسيح هو ابن الله قبل مجيئه إلى العالم، أو قبل ولادته من العذراء. ومع أنه فوق الناموس، إلا أنه رضي أن يُولد تحت الناموس، ليفتدينا نحن الذين بحكم مركزنا، كنا تحت الناموس، لأن مهمّة الفادي هي أن يضع نفسه موضع الذين يريد أن يفديهم، حتى تكون فديته حقيقية.

2 - وقال أيضاً: وبالإجماع عظيم هو سرّ التقوى، الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أُومن به في العالم، رُفع في المجد (1تيموثاوس 3: 16).

3 - وقال كذلك: وإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضاً (أي الابن) كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت، ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس (العبرانيين 2: 14) والأولاد هنا، هم المؤمنون بالله في العهد القديم.

ويُقصد بالموت هنا، موت المسيح فدية عن البشر، إتماماً لمقاصد اللاهوت الأزلية. وإبليس هو الذي بإغوائه حواء على ارتكاب الخطيئة، جلب عليها وعلى نسلها قضاء الموت، لأن أجرة الخطيئة هي الموت (رومية 6: 23)، ومن ثم قيل عنه إنه سلطان الموت .

4 - وقال يوحنا الرسول: والكلمة صار جسداً، وحلَّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً (يوحنا 1: 14).

5 - وقال أيضاً: بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد، فهو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد، فليس من الله (1يوحنا 4: 2 و 3).

ثانياً - الأدلة على صدقها:

بالتأمل في هذه الشهادات، يتضح لنا أنه فضلاً عن كونها مدوّنة بالوحي الإلهي، الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في صدقها، فإن الأدلة العقلية كذلك تثبت صدقها، كما يتبين مما يلي:

1 - بما أن رسل المسيح لم يكونوا من الوثنيين، الذين كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة وتجسدها، بل كانوا من أتقياء اليهود، الذين يؤمنون إيماناً صادقاً بوحدانية الله وتنزّهه عن الزمان والمكان والجسم والصورة، وغير ذلك من الأعراض، إذن لا يمكن أن يكونوا قد سجَّلوا شهاداتهم هذه بوحي من خواطرهم أو عواطفهم، بل سجَّلوها بوحي من الله وحده. ولذلك ليس في تسجيل شهادتهم شُبهة التأثّر بالعقائد الوثنية إطلاقاً.

2 - وبما أنهم كانوا يختلفون فيما بينهم اختلافاً عظيماً، من جهة نشأتهم وعقلياتهم وظروفهم ومراكزهم الاجتماعية، إذن لا سبيل للظن بأنهم اتفقوا على ابتكار موضوع ظهور الله في الجسد، بل من المؤكد أنهم تلقّوه بإعلان من الله رأساً، لأن أسباب الاتفاق بينهم غير متوافرة.

3 - وبما أنهم بسبب مناداتهم بحقيقة ظهور الله في المسيح، كانوا يعرِّضون أنفسهم للاضطهادات والانتقادات القاسية، وبما أنه كلما كانت تُوجَّه ضدهم هذه وتلك، كانوا يزدادون مجاهرة بالمناداة بالحقيقة المذكورة، وبما أنه ليس من المعقول أن يخرج إنسان على العالم بموضوع يعلم قبل غيره أن لا نصيب له من الصواب، ورغم ما يحتمله في سبيله من الاضطهادات والانتقادات، يستمر في إذاعته والمجاهرة به، إذن لا سبيل للظن بأنهم ابتدعوا هذا الموضوع، بل من المؤكد أنهم تلقوه، بإعلان من الله رأساً، بل ودُفعوا أيضاً بقوته لإعلانه، لأنهم استطاعوا أن يستهينوا بكل ما كان يُوجَّه ضدهم من وسائل القهر الإيجابية والسلبية، لا بل واستطاعوا أن يرحّبوا بها ويطربوا لها (اعمال 5: 41)، الأمر الذي لم يكن من الممكن حدوثه، لو أنهم كانوا قد ابتدعوا هذا الموضوع، أو نقلوه عن دين من الأديان.

وقد شهد الأستاذ عباس محمود العقاد بصدق أقوال الرسل، فقال: ومن بدع (أهل) القرن العشرين، سهولة الاتهام كلما نظروا في تواريخ الأقدمين فوجدوا في كلامهم أنباء لا يسيغونها وصفات لا يشاهدونها ولا يعقلونها. ومن ذلك اتهامهم الرسل بالكذب فيما كانوا يثبتونه من أعاجيب العيان أو أعاجيب النقل. ولكننا نعتقد أن التاريخ الصحيح يأبى هذا الاتهام، لأنه أصعب تصديقاً من القول بأن أولئك الدعاة أبرياء من تعمّد الكذب والاختلاق. فشتّان ما بين عمل المؤمن الذي لا يبالي الموت تصديقاً لعقيدته وعمل المحتال الذي يكذب ويعلم أنه يكذب وأنه يدعو الناس إلى الأكاذيب. مثل هذا لا يُقْدم على الموت في سبيل عقيدة مدخولة، وهو أول من يعلم زيفها وخداعها. وهيهات أن يوجد بين الكذبة العامدين من يستبسل في نشر دينه كما استبسل الرسل المسيحيون. فاذا كان المؤلف الصادق من يأخذ بأقرب القولين إلى التصديق، فأقرب القولين إلى التصديق أن الرسل لم يكذبوا فيما رووه، وفيما قالوا إنهم رأوه، أو سمعوا ممن رآه (عبقرية المسيح ص 118 و119).

4 - أخيراً نقول إننا إذا رجعنا إلى تاريخ علاقة الرسل بالمسيح، وجدنا أنهم لم يجرؤوا في أول الأمر على الاعتراف بأنه هو الله، لأنهم كيهود كانوا يعلمون تمام العلم أن الاعتراف بأن إنساناً هو الله يُعتبر تجديفاً يستحق الرجم في الحال (تثنية 13: 10). ولأنهم كيهود أيضاً، كانوا يستبعدون أن يظهر الله في هيئة إنسان. نعم كانوا ينتظرون المسيّا ، لكن المسيّا بالنسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم، لم يكن سوى رسول ممتاز يأتيهم من عند الله، وليس هو ذات الله.

ولكن بعد ما عاشوا مع المسيح زمناً طويلاً، شاهدوا فيه تصرفاته وأعماله في كل ناحية من نواحي الحياة، أدركوا أنه لم يكن إنساناً عادياً، فأخذوا يفكرون في شخصيته ويجتهدون في الكشف عن حقيقتها. فقالوا مرة إنه ملك إسرائيل مع أنه كان فقيراً وبعيداً عن أسباب السياسة والمُلك. وقالوا مرة أخرى إنه المسيح أو المسيّا ، مع أنه كان موضع استهزاء رجال الدين، الذين كانوا يُعتبرون أكثر الناس معرفة بصفات المسيح أو المسيّا. وقالوا مرة غيرها إنه ابن الله الحي قاصدين بذلك أنه الكائن الذي يشبه الله كل الشبه، مع أنه حسب الظاهر كان إنساناً فقيراً محتقراً من الناس ومرذولاً (اشعياء 53: 3).

وهكذا استمرّوا في الارتقاء بأفكارهم من مرتبة إلى مرتبة أعلى، ليروا أية مرتبة تتناسب مع ذاته وصفاته، حتى مات على الصليب موت العار، وحينئذ خامرهم الشك في حقيقته، واعتقدوا أنهم كانوا مخدوعين في الاعتراف بأنه ملك إسرائيل والمسيّا، وابن الله الحي. ولكن عندما رأوا أنه قام بعد ذلك من القبر، تبدّدت كل شكوكهم، وتحوّلت إلى يقين ما بعده يقين، من جهة شخصيته أو حقيقة ذاته. ولذلك صاح من كان اكثرهم شكاً فيه، مخاطباً إياه بالقول: ربي وإلهي وقد صادق المسيح على هذه الشهادة كل المصادقة، إذ أجابه بالقول: لأنك رأيتني يا توما آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا (يوحنا 20: 29). كما سجد باقي التلاميذ له، و قبل له المجد سجودهم، دون أن يبدي تردّداً أو نفوراً (لوقا 24: 52)، مما يدل على أنه اعتبر سجودهم له، أمراً يجب عليهم القيام به من نحوه، وأمراً يليق به قبوله منهم، ومن غيرهم أيضاً. أما الملاك أو الرسول، فلا يستطيع أن يقبل سجوداً من أحد. فجبرائيل رفض أن يسجد له يوحنا الرسول (رؤيا 19: 10، 22: 8)، وبطرس الرسول رفض أن يسجد له كرنيليوس قائد المئة (أعمال 10: 26).

أما قول توما إلهي فقد ورد في الأصل اليوناني مسبوقاً بأداة التعريف، مما يدلّ على أنه لا يُقصد بها ان المسيح إله فقط، كما يقول بعض الخوارج عن المسيحية، بل انه هو الله بعينه. وهذا هو عين الصواب، لأنه ليس هناك إله مع الله.

مما تقدم يتضح لنا أن الآيات الكتابية الخاصة بظهور الله في الجسد، ليست صادقة فحسب، وأن التلاميذ لم يُساقوا إلى كتابتها رغماً عنهم، لأن المسيح لم يفرض عليهم الاعتقاد بها فرضاً، ولا هم كتبوها دون فهم أو إدراك، لأن المسيح وإن كان قد أعلن لهم أنه ابن الله أو الله ظاهراً ، فقد ترك لهم الحرية ليختبروا هذه الحقيقة بأنفسهم. كما يتضح لنا كذلك أن التلاميذ لم يكونوا متسرّعين أو مخدوعين عندما دعوا المسيح الرب والإله، أو قدّموا له السجود الذي لا يصح تقديمه إلا لله، بل بالعكس كانوا حذرين كل الحذر ومدققين كل التدقيق، لأنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد اختبار طويل، لا سبيل إلى الشك في صدقه على الإطلاق. ولذلك استطاع بطرس أن يقول للمؤمنين في رسالته: لأننا لم نتبع خرافات مصنَّعة، إذ عرَّفْناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنّا معاينين عظمته (2بطرس 1: 16-18). واستطاع يوحنا الرسول أن يقول: الذي كان من البدء. الذي سمعناه. الذي رأيناه بعيوننا. الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أُظهرت، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب، وأُظهرت لنا (1يوحنا 1: 1-3).

 

الفصل الثالث

كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت

اتحاد اللاهوت بالناسوت أمر يفوق العقل والإدراك، ونحن نؤمن بأنّ الكتاب المقدّس أعلن بآيات واضحة أن الله ظهر في الجسد. وهذه الآيات فضلاً عن كونها صادقة كل الصدق، فإن ظهور الله في الجسد، يتوافق مع ذات الله وصفاته كل التوافق، كما يتناسب مع حاجتنا نحن البشر كل التناسب. لكن لمجرد تقريب حقيقة إتحاد اللاهوت بالناسوت إلى عقول الذين يميلون إلى التشبيه بالمحسوسات، نأتي فيما يلي بما نعلمه عن كيفية إتحاد روح الإنسان بجسده، ثم نذكر بالمقابلة مع ذلك، الكيفية التي يمكن أن يكون قد تمَّ بها اتحاد اللاهوت بالناسوت، ولذلك نقول:

1 - روح الإنسان، مع أنها مختلفة عن جسده اختلافاً كلياً من جهة الجوهر والصفات والخصائص، ليست منفصلة عنه بل متحدة به.

2 - هذه الروح مع اتحادها بالجسد، يحتفظ كلٌّ منهما بخصائصه الطبيعية، فالروح هي الروح بكل خصائصها الروحية، والجسد هو الجسد بكل خصائصه الجسدية.

3 - مع احتفاظ كلٍّ منهما بخصائصه الطبيعية، تتكوّن من اتحادهما معاً ذات واحدة هي الإنسان.

4 - الإنسان وإن كان ذاتاً واحدة، له صفات وخصائص عنصرين مختلفين هما الروح والجسد.

وعلى ضوء هذه الحقائق نقول، إن اتحاد اللاهوت بالناسوت، كما تستطيع عقولنا أن تستنتج من الكتاب المقدَّس، يمكن أن يكون قد تمّ على النحو الآتي:

1 - اتخذ الابن لنفسه ناسوتاً خالياً من الخطيئة خلواً تاماً، لكن باتخاذه إياه:

(أ) لم يتقيَّد به كما تتقيَّد الروح البشرية بالجسد الخاص بها، بل ظل كما هو المنزَّه عن المكان والزمان، لأن الابن بصفته الأقنومية غير محدود، والنفس البشرية محدودة. وقد أظهر السيد المسيح بيان هذه الحقيقة، فأعلن أثناء وجوده بالجسد على الأرض أنه كان في نفس الوقت موجوداً (بلاهوته) في السماء، فقد قال لنيقوديموس أحد أئمة اليهود ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء (يوحنا 3: 13). أي أنه أثناء وجوده بالجسد على الأرض، كان في نفس هذا الوقت في السماء، وفي كل مكان أيضاً تبعاً لذلك. وهذا دليل على عدم تحيّزه بحيّز، ودليل أيضاً على وحدته الكاملة مع الأقنومين الآخرَيْن، كما ذكرنا بالتفصيل في كتاب الله - ذاته ونوع وحدانيته . والإسلام يتفق معنا على أن وجود الله في مكان لا يمنع وجوده في مكان آخر في نفس الوقت، فقد جاء في سورة الزخرف 84 وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم .

(ب) لم ينفصل عن هذا الناسوت، كما تنفصل الروح البشرية عن الجسد المتحدة به وقتاً ما، بل ظل متحداً به أو بتعبير آخر واحداً معه. ولذلك فان اتحاد الابن بالناسوت، أو بتعبير آخر اتحاد اللاهوت بالناسوت، ليس مثل اتحاد الروح بالجسد، قابلاً للتفكك والانفصال، بل هو اتحاد كامل دائم، لا أثر للتفكك أو الانفصال فيه على الإطلاق.

2 - إنه مع اتحاد اللاهوت بالناسوت، قد احتفظ كلٌّ منهما بخصائصه، فلم يتحوَّل اللاهوت إلى ناسوت، ولم يتحوَّل الناسوت إلى لاهوت، ولم يتكوَّن من اتحادهما معاً كائن جديد تختلف خصائصه عن خصائص اللاهوت أو الناسوت، إذ أن اتحاد اللاهوت بالناسوت ليس هو امتزاج أحدهما بالآخر، بل هو وجودهما معاً في ذات واحدة بوحدة كاملة، دون اختلاط أو امتزاج أو تغيير، وذلك بعمل إلهي يفوق العقل والإدراك. ولذلك ظل اللاهوت هو اللاهوت بكل خصائصه، وظلَّ الناسوت هو الناسوت بكل خصائصه، دون أن يطرأ عليهما أو على أحدهما تغيير ما. ولذلك فإن اتحادهما معاً يختلف من هذه الناحية أيضاً عن اتحاد الروح بالجسد اختلافاً تاماً. لأن حالة الروح تؤثر على الجسد، وحالة الجسد تؤثر على الروح، فإذا ابتهجت الروح بأي خبر من الأخبار السارة شعر الجسد بالانتعاش والنشاط، وإذا أصابت الجسد علة من العلل، شعرت الروح بالخمول والاكتئاب.

3 - إن الناسوت وإن كان يختلف عن اللاهوت اختلافاً جوهرياً، إلا أنه لاتحادهما معاً في المسيح اتحاداً كاملاً، كان له المجد ذاتاً واحدة لا اثنتين: فهو ابن الله، وهو بعينه أيضاً ابن الإنسان.

4 - إن السيد المسيح، وإن كان واحداً، إلاَّ أنه لقيامه باللاهوت والناسوت معاً، كانت له صفات وخصائص كل منهما. فكانت له صفات وخصائص اللاهوت، كما كانت له أيضاً صفات وخصائص الناسوت، وطبعاً الناسوت الخالي من الخطيئة. فمن جهة اللاهوت، كان هو الله بجوهره غير المدرَك، الذي لا يتحيَّز بحيِّزٍ، ولا يتأثر بعَرَض، والمستغني بذاته عن كل شيء في الوجود.. ومن جهة الناسوت كان هو الانسان ذا الجسد المادي، الذي لا يوجد إلاَّ في مكان واحد في وقت واحد، والذي يحتاج إلى ما يحتاج إليه الإنسان، من طعام وشراب. (هذا مع العلم أن احتياج المسيح إلى الطعام والشراب كان اختيارياً، لأنه كان قد اتخذ الناسوت بمحض اختياره).

مما تقدم يتضح لنا أن اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح، لم يترتب عليه تأثّر اللاهوت بأي مؤثِّر، وفي الوقت نفسه هو اتحاد حقيقي كامل دائم. ولذلك عندما كان المسيح في بطن العذراء، وعندما كان عائشاً على الأرض، وعندما كان مدفوناً في القبر، كان لاهوته واحداً مع ناسوته بوحدة إلهية تفوق العقل والإدراك، لا بل وهو في مجده الآن، لا يزال لاهوته واحداً مع ناسوته، بمثل هذه الوحدة العجيبة.

هذا والذي فارق جسد المسيح عندما مات على الصليب، لم يكن لاهوته بل روحه الإنسانية، التي كانت عنصراً من عناصر ناسوته. أما لاهوته فقد ظل متحداً بجسده الممات كما بروحه المستودعة منه للآب (لوقا 23: 46)، لأن اللاهوت لا يتحيّز بحيّز ولا يتأثر بعَرَض، فوجوده في مكان لا يمنع وجوده في كل مكان آخر، في نفس الوقت.

والإنسان وإن انتقل إلى عالم الروح، لا يستطيع من تلقاء ذاته أن يدرك الله إدراكاً صحيحاً، لأن الإنسان سواء أكان في عالم المادة أم في عالم الروح، هو كائن محدود، والمحدود لا يستطيع أن يدرك شيئاً عن غير المحدود. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الإنسان إن لم يدرك الله (في العالم الحاضر والأبدية معاً) في الابن المتأنس ، فلا يستطيع إدراكه على الإطلاق - هذا مع العلم بأن ناسوت المسيح، وهو في المجد الآن، ليس هو الناسوت المادي، بل الناسوت الروحي، الذي لا يحتاج إلى طعام أو شراب، أو غير ذلك من الحاجيات (لأنه لا يوجد في السماء مجال يدعو إلى الأكل والشرب، أو إلى ممارسة أي عمل من الأعمال الجسدية)، وهكذا ستكون أجساد القديسين، عند قيامتهم من بين الأموات، أجساداً روحية لا تأكل ولا تشرب، ولا تتزوج ولا تلهو (1كورنثوس 15: 42-58).

وقد أطلق علماء المسيحيين على اتحاد اللاهوت بالناسوت، اسم التجسُّد ، فالتجسّد إذن ليس هو تحوّل اللاهوت إلى ناسوت، أو تحيُّزه بحيِّز، أو تعرّضه لأي تطوّر أو تغيُّر، بل هو فقط وجوده مع الناسوت الذي اتخذه، في وحدة حقيقية، بعمل إلهي يفوق كل العقل والإدراك. ووجود مثل هذا لايتعارض مع ذات الله أو صفاته، بل بالعكس يتوافق كل التوافق.

 

الباب الثالث

الاعتراضات والرد عليها

في هذا الباب نرى

1 - الاعتراضات الفلسفية، والرد عليها

2 - الاعتراضات الدينية، والرد عليها

 

الفصل الأول

الاعتراضات الفلسفية، والرد عليها

هناك أدلة دينية وعقلية وتاريخية لا حصر لها، ذكرنا بعضها فيما سلف، وسنذكر البعض الآخر فيما يلي، تثبت أن المسيح كان شخصاً حقيقياً عاش على أرضنا، وأن سيرته هي نفس السيرة المدوَّنة في الإنجيل الذي بأيدينا، الأمر الذي يدل على أنه هو الله ظاهراً في الجسد. ولذلك يحق لنا ألا نقيم وزناً لأي اعتراض يُوجّه ضد حقيقة شخصه الكريم. لكن نظراً لتأثر بعض البسطاء بما يسمعونه من الاعتراضات، نوجّه نظر الجميع من أول الأمر، إلى أن عدداً كبيراً من مدّعي الفلسفة قد أنكر في السنوات الأخيرة وجود الله، وبالتالي أنكر كل وحي. ثم أخذ يسعى بكل ما لديه من جهد لمقاومة المسيحيّة، إما لعدم قدرته على فهم عقائدها، أو لتعارض مبادئها مع ميوله وأهوائه. ولذلك ادّعى أن هذه العقائد ليست أصلية أو حقيقية، بل أنها مقتبسة من أساطير الوثنيين. وليثبت صدق إدعائه، راح يضيف إلى هذه الأساطير ويحذف منها ما شاء، حتى تبدو، حسب وجهة نظره، مماثلة للعقائد المسيحيّة من بعض الوجوه. فيجب على الباحث المدقق إذن أن يرجع إلى الكتب العلمية الصادقة، ليعرف الحقيقة كما هي. وهذا ما فعلته قبل أن أكتب هذا الكتاب، فقد درستُ كل ما عثرت عليه من هذه الكتب، ودرست معها تعليقات مؤلفيها، التي أرادوا بها، حسب وجهة نظرهم، إيجاد شبَه بين المسيحيّة والوثنية، فوجدتُ أن الكتب الأخيرة، على الرغم من هذه التعليقات، تختلف في مادتها عن كتب مدَّعي الفلسفة اختلافاً كبيراً. وعلى ضوء الحقائق الصادقة التي وصلتُ إليها أذكر فيما يلي اعتراضات المعترضين، ثم أذكر معها الرد المناسب عليها:

1 - يعتقد فريق من وثنيي الهند أن الإله فشنو تجسد في كرشنا، ليخلِّص العالم من خطاياه اللاحقة به، وأنه عندما ثقب جنب كرشنا بالحربة، قال للصياد الذي رماه بالنبلة، وهو مصلوب: اذهب أيها الصياد محفوفاً برحمتي إلى السماء مسكن الآلهة . ثم مات. وعند موته حدثت مصائب عظيمة، وأحاطت بالقمر هالة سوداء، وأظلمت الشمس في وسط النهار، وأمطرت السماء ناراً ورماداً. وبعد ذلك قام كرشنا من الأموات، ثم صعد بجسده إلى السماء، وكثيرون شاهدوه صاعداً إليها. كرشنا هو الأول والوسط والآخِر، وهو الذي يدين الأموات في اليوم الأخير. ويعتقد هذا الفريق أيضاً، أنه في حضور أرجونا (أحد أتباع كرشنا) تبدّلت هيئة كرشنا، وأضاء وجهه كالشمس، ومجد العلي اجتمع في إله الآلهة، فأحنى أرجونا رأسه تذللاً ومهابة، وتكتّف تواضعاً واحتراماً، وقال: الآن رأيتك على حقيقتك، وإني أرجو يا رب الأرباب. فعدْ واظهر علي ناسوتك ثانية، أنت المحيط بالكون. كرشنا تنازل رحمة ووداعة، وغسل أرجل البرهميين. وهو الكاهن العظيم، وهو العزيز القادر الذي ظهر بالناسوت، وهو البطل الوديع الذي قدّم نفسه ذبيحة.

الرد: (أ) إن ما يسميه المعترض تجسداً لفشنو، هو التقمُّص الذي كان معروفاً في الهند وغيرها من البلاد الوثنية. فقد ورد في الأساطير الهندية أن فشنو الذي يحدّثنا عنه المعترض حلَّ أولاً في ماتيسا (سمكة)، وثانياً في كورما (سلحفاة)، وثالثاً في قزاها (خنزير)، ورابعاً في نارسيما (أسد)، وخامساً في فامان (قزم)، وسادساً في ماراسونا (فأس)، وسابعاً في داساراثارما (الوجه القمري)، وثامناً في كرشنا (الإله المظلم)، وتاسعاً في البوذا (المستنير)، وأنه سيحلُّ للمرة العاشرة عند انتهاء العالم في كالكي، الذي هو (الزمن)، كما يقول بعض العلماء.

والتقمّص كما يعتقد الوثنيون، هو انتقال روح الإنسان بعد موته إلى أجساد الحيوانات أو الناس، لتتطهر، حسب زعمهم، من خطاياها. وهو كذلك حلول آلهتهم في بعض الناس أو الحيوانات أو النباتات لأغراض خاصة. أما التجسّد، كما هو معروف في المسيحيّة، فيختلف كل الاختلاف عن التقمّص والحلول، كما اتضح لنا مما سلف.

ولحلول فشنو في كل كائن من هذه الكائنات سبب عند الوثنيين، ولا يتسع المجال أمامنا لذكر كل سبب من هذه الأسباب، ولكن نقول على سبيل المثال، إنهم يعتقدون أن فشنو قد تقمّص سلحفاة ليستطيع أن يسبح في الماء ويصل إلى فقاعة خاصة فيه، عبارة عن أنثى جميلة، أحبها فشنو وأراد أن يقترن بها.

ولا يُسنَد ما يدعوه المعترض تجسداً عند الوثنيين إلى فشنو وحده، بل إلى كثير من الآلهة غيره. فيقول الهنود عن سيفا إنه حلَّ في أحد عشر حيواناً، كلها مخيفة ومرعبة. ولعل هذا هو السبب الذي من أجله سُمِّي رب الحيوانات . وحلول الآلهة، كما يعتقد الوثنيون، لا يكون في البشر والحيوانات فقط، بل وفي النباتات والجمادات أيضاً. كما أنه لا يكون بدرجة واحدة في كل حالة من الأحوال، بل يكون بدرجات متفاوتة. فهم يعتقدون أن الحلول الأول هو ظهور صفات الإله في بعض هذه الكائنات، والحلول الثاني هو ظهور ثُمْن الإله، كما حدث في حالة (لكشامانا)، والحلول الثالث هو ظهور رُبْع الإله، كما حدث في حالة (بهاراتا)، والحلول الرابع هو ظهور نصف الإله، كما حدث في حالة (راما)، والحلول الخامس هو الظهور الكامل، كما حدث في حالة (كرشنا).

والسبب في حلول فشنو في كرشنا يرجع، كما يزعمون، إلى أن الآلهة ذهبت مرة إلى فشنو، وشكت له ظلم الملك (لانكا) وغيره من الملوك العتاة، فوعدهم أنه سيحل في إنسان ويقضى على (لانكا) وعلى الملوك العتاة معه ويخلِّص البلاد من ظلمهم. هذا هو ما يقول عنه المعترض إنه التجسّد الذي اقتبس منه المسيحيون عقيدتهم. فيا لها من مغالطة، بل ويا لها من مكابرة! ففكرة حلول فشنو في كرشنا، فضلاً عن أن المراد بها هو تقمّصه فيه، هي فكرة أرضية صاغها خيال الوثنيين للتنفيس عن كراهيتهم لظلم لانكا. وما أبعد هذه الفكرة عن عقيدة التجسّد المسيحية، والتي يُراد بالتجسّد فيها المعنى الحرفي للتجسّد، والتي تظهر محبة الله المطلقة للناس، وتنازله بالظهور لهم ليستطيعوا الاقتراب منه، والتوافق معه في صفاته الكريمة السامية.

(ب) قول المعترضين إن الوثنيين يعتقدون أن كرشنا يخلِّص العالم من الخطايا اللاحقة به، ليس له أساس في الأساطير الوثنية، بالمعنى الذي نفهمه من الخلاص، لأن كرشنا هذا، كان هو نفسه كتلة من الخطايا، إذ كان يرتكب شروراً وآثاماً لم يرتكب غيره مثلها، حتى اعتُبر عند الوثنيين إله الشهوة والمظهر المتجسِّد لها .

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذ قيل عن كرشنا إنه يخلِّص العالم من خطاياه اللاحقة به؟

الجواب: إن الخلاص من الخطيئة، في نظر أتباع كرشنا وغيره من آلهة الوثنيين، ليس هو التحرر من سلطانها والنجاة من قصاصها، كما تنادي المسيحية، بل هو الانغماس في الخطيئة إلى آخر حدود الانغماس، لأن هذا المدى من الانغماس، كما يعتقدون، يطهِّر النفس ويجعلها أكثر قرباً من الآلهة. فاستخدم المعترض هذا المعنى النجس، ودون أن يشير إلى التناقض بينه وبين معنى الخلاص في المسيحية، وقال إن وثنيي الهند يعتقدون أن كرشنا يخلّص العالم من الخطايا، كما يقول المسيحيون عن المسيح، وذلك ليُدخل في روع البسطاء منهم أن معتقداتهم مقتبسة من الوثنية.

أما إذا كان المعترض يجهل معنى الخلاص من الخطيئة في الوثنية، فربما يكون الدافع له للقول إن كرشنا يخلّص العالم من الخطايا، يرجع إلى أنه عندما قرأ في الأساطير أن فشنو حلَّ في كرشنا ليخلّص العالم من ظلم (لانكا) وغيره من الملوك، (كما ذكرنا فيما سلف)، وكان يضمر في نفسه أن يخلع شخصية المسيح على بعض آلهة الوثنيين ليُدخل في روع المسيحيين أن المسيح لم يكن شخصاً حقيقياً، بل أن سيرته مقتبسة من الأساطير الوثنية، سوَّلت له نفسه أن يقتبس من الأساطير عبارة كرشنا يخلص العالم (التي يُقصد بها في الأصل تخليصه من ظلم لانكا وغيره من الملوك)، وأن يضيف إليها من عنده عبارة قدَّم نفسه ذبيحة ليتقن الدور الذي يريد تمثيله. مع أن كرشنا، كما يعلم جميع العارفين بالأساطير، لم يقدِّم نفسه ذبيحة لخلاص العالم، بل قدَّم نفسه ذبيحة لإشباع أهوائه وشهواته، فقد عاش حياة الدنس والفساد حتى فارق الحياة.

(ج) إذا تأملنا القصة التي أوردها المعترض عن كرشنا، وجدنا فيها التلفيق واضحاً جلياً. فالمعترض يحاول جهد الطاقة أن يُدخل في روع المسيحيين أن الوثنيين كانوا يعتقدون أن كرشنا صُلب لأجل خلاص العالم، كما يقولون هم عن المسيحيين. ويريد في الوقت نفسه أن يذكر شيئاً عن الطريقة الحقيقية التي مات بها كرشنا ليوفِّق، حسب وجهة نظره بين الحقيقة وبين غرضه، حتى يعتبر نفسه صادقاً فيما رواه، فكشف بذلك عن سوء نيّته وتزويره للحقائق دون أن يدري. فما العلاقة بين الحربة والنبلة؟ وما العلاقة بين صيّاد الطيور ومن يستعمل الحربة؟ وما الداعي لإيراد عبارة وهو مصلوب بعد كلمة بالنبلة ؟ هل هذا هو موضعها الصحيح، أم أنها حُشرت في هذا الموضع حشراً، لمجرد لفت النظر إليها؟ وهل كان الصلب معروفاً في الهند أم كان معروفاً في بلاد الرومان وحدها، كما يقول المؤرخون؟

وليعرف القارئ شيئاً عن الكيفية التي مات بها كرشنا، حتى يتضح له تلفيق المعترض للحقائق، نقول إن الأساطير الهندية ذكرت أن كرشنا كان يسير مرة على شاطئ نهر، وكان بجوار الشاطئ غابة يدخلها الصيادون من وقت إلى آخر لصيد الطيور والحيوانات، فحدث مرة أن أخطأ أحدهم المرمى، فنفذت حصاته، كما يقول بعض الرواة، أو سهمه، كما يقول بعض آخر، إلى مقتلٍ من كرشنا، فسقط لساعته على الأرض ومات.

أما القول إن كرشنا قد قال للصياد: إذهب أيها الصياد محفوفاً برحمتي إلى السماء مسكن الآلهة فليس له أساس في الأساطير. وهو دليل على أن المعترض قد اقتبس من الإنجيل قول المسيح للص التائب: اليوم تكون معي في الفردوس ، وصاغه بما يتفق مع الرواية التي اختلقها، ليتقن الدور الذي يريد تمثيله.

(د) ولا يتسع لنا المجال للرد على كل عبارة من عبارات المعترض الباقية، ولذلك نكتفي بالقول إنها كلها مختلقَة، فالأساطير الوثنية لم تذكر مطلقاً أنه عند موت كرشنا حدثت مصائب، أو أنه هو الذي يدين الأموات، أو أنه إله الآلهة ورب الأرباب، أو أنه كان وديعاً، أو أنه غسل أرجل البرهميّين، أو أن وجهه قد ضاء مرة، أو... أو... الأمر الذي يدل بوضوح على أن المعترض، أراد أن يُلبس كرشنا ثوب المسيح، على الرغم من التناقض الذي لا حدَّ له بينهما، ليوهم البسطاء أن العقائد المسيحيّة مقتبسة من الوثنية.

2 - يعتقد البوذيون أن بوذا إلهٌ ترك الفردوس مرة، وجاء إلى العالم في ناسوت، ليبرّر الناس من خطاياهم، ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه بسببها. وفي أواخر أيامه، نزل عليه بغتة نور أحاط برأسه بهيئة إكليل، وانبعث من جسده نور عظيم فصار كتمثال من ذهب برّاق. وحين رأى الحاضرون هذا التبدّل في هيئته، قالوا: ما هذا بشر، إن هو إلا إله عظيم. كما يعتقد هؤلاء البوذيون أنه بعد موت بوذا، صعد جسده إلى السماء.. وكانت آخر عبارة نطق بها هي: دعوا الآثام التي ارتُكبت في هذا العالم تقع عليّ، ليَخْلُص العالم من قصاصها .

الرد: (أ) يتجاهل المعترض كعادته الأساطير الهندية. وكل ما يفعله هو اقتباس عبارة منها ليزجَّ بها وسط القصة التي يريد تأليفها عن الشخصية التي اختارها ليُلبسها ثوب المسيح. وفي سبيل تأليف تلك القصة لا يتورَّع أن يسند إلى هذه الشخصية أعمالاً لم تعملها، وأقوالاً لم تنطق بها، بل وحياةً تتعارض مع حياتها كل التعارض، وذلك ليدخل في روع المسيحيين أن المسيح لم يكن شخصاً حقيقياً، بل أن سيرته اقتبسها قادتهم من الأساطير الوثنية. فمثلاً استعار كلمة حلَّ الواردة في الأساطير بمعنى تقمّص ، وصاغها في الأسلوب المسيحي: جاء في ناسوت متجاهلاً أسماء الكائنات التي قالت الأساطير إن بوذا قد حل أو تقمّص فيها، ولكن ما تجاهله وأخفاه عن القراء، نذكره نحن هنا لتتجلى لهم الحقيقة. فقد جاء في هذه الأساطير أن بوذا حلَّ في أسد، ثم في فيل أبيض، ثم في كاهن، وأخيراً في قرد...!!

فضلاً عن ذلك، فقوله إن بوذا قال إنه أتى إلى العالم ليبرّر الناس من خطاياهم، ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه بسببها هو محض اختلاق، لأن بوذا كان قد رفض نظام الذبائح الكفارية رفضاً تاماً، ونادى بأنه يجب على الإنسان أن يرتقي بنفسه فوق شهواته وأهوائه، وأن من لا يفعل ذلك لا يرتقي إلى الطور الرابع، وهو طور النرفانا . ولذلك كانت كلماته الأخيرة لأتباعه هي: كونوا لأنفسكم نوراً وملجأ حصيناً، ولا تلوذوا بغير أنفسكم . وهذه الكلمات تدل بوضوح على أن مبدأه، هو أن كل إنسان مسئول عن أعماله، وأنه ليس هناك من يحمل عنه آثامه أو يكفر له عنها.

وترى لماذا فات المعترض أن يؤلف لنا فصلاً عن الكيفية التي كفّر بها بوذا عن العالم أو خلّصه بها؟! هل خانه خياله، أم خشي أن يعيد إلى مسامعنا ما ذكره عن موت كرشنا، لئلا نتهمه بالتلفيق والتزوير، أم استحسن أن يترك موضوع موت بوذا جانباً، ليُدخل في روعنا أنه كاتب أمين لا ينقل إلينا من الأساطير إلا ما قرأه فعلاً، أو لنستنتج نحن أن المسيحيين الأوائل اقتبسوا شيئاً من سيرة كرشنا وشيئاً آخر من سيرة بوذا، وكوَّنوا من الاثنين قصة المسيح؟! ولكن ما أخفاه المعترض، نذكره هنا للقراء، ليعرفوا الحقيقة كما هي. فقد قيل إنه عندما كان بوذا في بلدة باقا، أراد حداد اسمه تشوندا أن يكرمه، فقدم له لحماً. ولما أكل بوذا هذا اللحم أحسَّ بألم شديد في أمعائه وأيقن أن ساعته قد جاءت. فشكر الحداد لأنه عجّل بانطلاقه من هذا العالم، ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى مات. فأخذ أتباعه جسده ليحرقوه كعادتهم، ولكن النار لم تؤثر في جسده إطلاقاً، فتركوه فيها سبعة أيام، وفي نهاية اليوم السابع التهمت النار جسده وأحرقته.

(ب) كما أن قول المعترض إن هيئة بوذا قد تبدّلت، وإن جسده قد أضاء بنور عظيم، ليس له أساس على الإطلاق في الأساطير. والموضع الوحيد الذي وردت فيه كلمة نور في سيرة بوذا، هو: وبعد ما قسا بوذا على جسده وأذله بالزهد والتقشف، وجد أن نفسه لم تتطهر كما كان يظن، بل أنها لم تزل تميل إلى الأهواء كما كانت تفعل من قبل. فترك الزهد والتقشف وعاد إلى طعامه كالمعتاد. ولكنه لم يلبث طويلاً حتى أخذت تتنازعه الشكوك والمخاوف، وتساوره الأفكار في أن يعود إلى بيته ويعدل عن سعيه. وأخيراً جلس ذات يوم بجوار شجرة، ومكث هناك يوماً بأكمله في نزاع داخلي بينه وبين نفسه، حتى إذا بزغ القمر، أشرق عليه نور الحق ينبئه أن شقاء الحياة لا ينبعث من الجسد، بل من رغبات النفس وأهوائها، وأنه في استطاعة الإنسان أن يكون سيداً على نفسه لا عبداً لها، وذلك بالثقافة الروحية والسلوك بالإخلاص مع بني جنسه . ولذلك يبدو لي أن المعترض عندما قرأ أن بوذا أشرق عليه نور، وكان في نيّته من قبل أن يسند شخصية المسيح إليه، تذكَّر حادثة تجَلِّي المسيح فاقتبسها المعترض من الإنجيل، بعد أن وضع فيها اسم بوذا عوضاً عن اسم المسيح، ثم راح يخلع عليها من خياله ما يتفق مع الجمال الهندي، فقال إن بوذا أصبح كتمثال من ذهب برّاق، ليُدخل في روع المسيحيين، أنه قد نقل لهم أسطورة حقيقية من بلاد الهند نفسها.

(ج) كما أنه أقتبس من الأساطير الهندية عبارة صعد بوذا إلى السماء ، ثم نقل من الإنجيل حادثة قيامة المسيح من بين الأموات وصعوده إلى السماء، بعد أن وضع فيها اسم بوذا بدلاً من اسم المسيح، ليوهم المسيحيين أن قيامة المسيح لا نصيب لها من الصواب، وأنها مسروقة من الأساطير الهندية. لكن الرواية التي وردت فيها عبارة وصعد بوذا إلى السماء ، والتي أخفاها المعترض لسوء نيّته، هي أن بوذا، بفضل ما بلغه من الإخلاص والأمانة، رأى أمامه سلّماً من ثلاث درجات، إثنتين منهما من ذهب، والثالثة من فضة. وكان أسفل السلّم يمسّ الأرض، وقمته تمسّ السماء، فصعد بوذا عليه ورأى الله وتحدّث معه، ثم عاد إلى الأرض وأستأنف عمله في هداية الناس وإرشادهم. كما أنه لم يرد في الأساطير الهندية مطلقاً أنه بعد ما دُفن بوذا انحلّت الأكفان، أو فُتح غطاء التابوت، أو أنه صعد بجسده إلى السماء، فكل هذا منقول من الإنجيل ومسند إلى بوذا زوراً وبهتاناً.

3 - كان السوريون يعتقدون أن الإله تاموز، تألّم من أجل الناس، ولذلك كانوا يدعونه المصلوب والفادي والمخلص، كما كانوا يحتفلون كل سنة بذكرى موته. وكان كهنته يقولون للناس: ثقوا بربكم فإن الآلام التي قاساها قد جلبت لنا الخلاص .

الرد: تُرى ما الذي يفيده المعترض من التزوير؟ ألا يدري أن التزوير لا بد أن يُكشف يوماً ويعرّض صاحبه للمذلة والهوان؟ ولو فرضنا جدلاً أنه ليس هناك من يكشف تزويره، فهل من الشرف أن يستغل جهل البسطاء بالأساطير، ليضلل بهم كما يشاء؟ وإن كان لا يعرف للشرف معنى، فهل من شروط النزاهة في الكتابة أن يأخذ أقوال الكتاب المقدس عن المسيح، ويسندها إلى غيره؟

ونحن نشكر الله الذي سمح أن تنتشر الكتب بين ظهرانينا، حتى أصبح العلم ليس قاصراً على فئة من الناس دون الأخرى، بل أصبح في متناول الناس جميعاً. فليسمع القارئ إذن أسطورة تاموز (التي يقول لنا المعترض إن سيرة المسيح مقتبسة منها) وذلك نقلاً عن أوثق المصادر العلمية وأصدقها. كان تموز يُعتبر عند معظم الوثنيين إله الزراعة أو الربيع، ولذلك كانوا يعتقدون أنه يتجلّى أو يقوم بظهور النباتات، وأنه يختفي أو يموت بذبولها. فهو بناءً على عقيدتهم، كان يقوم ويموت مرة كل عام. وكانوا يعتقدون أيضاً أن تاموز أحب أخته إشتار واقترن بها - وهنا تختلف الروايات في ذلك، فتقول رواية إنه بعد ما اقترن بها قتلته، ولما شعرت بجريمتها بعد ذلك حزنت حزناً شديداً عليه. وتقول رواية أخرى إن حرارة الشمس اللاذعة هي التي قتلته. وسواء أكانت الرواية الأولى هي الصادقة أم الثانية، فان كلتيهما تقول إن إشتار تنزل كل عام إلى العالم السفلي، وتمكث مع تاموز حتى تُصعده في فصل الربيع. وفي أيام المناحة على موته كانت السوريات، ومعهن الكنعانيات والأشوريات، يحلقن شعرهن حزناً عليه، ويرثينه بمراثٍ تأخذ بمجامع نفوسهن، ولذلك كنّ يبكين عليه بكاءً حاراً، وكان هذا البكاء يستمر حتى يدفن الكهنة تمثاله في هيكله. وفي أعياد ظهوره كنَّ يطربن ويفرحن، ويستسلمن لأهواء الجسد وشهواته، بلا قيد أو شرط.

مما تقدَّم، يتضح لنا أن القول إن تاموز تألم من أجل الناس، وإنه كان يُدعى المخلص والفادي والمصلوب، وإن آلامه قد جلبت الخلاص إليهم، هو ادعاء ومحض اختلاق، وجريمة أدبية شنيعة، لأنها تهدف إلى تشويه الحقائق وتشكيك البسطاء في عقائدهم. ولكن شكراً لله، فإنه لا يتسرب إلى مؤمن حقيقي أي شك من جهة عقيدته، لأن الدلالة على صدقها أثبت من أن تزعزعها هجمات الناس، أو هجمات الأبالسة والشياطين معاً.

4 - كان أحد الكُتّاب اليونان، قد كتب قبل المسيح، رواية عن شخص صلبه الكهنة على جبل قوقاسوس، جاء فيها أنه بسبب ذنوب الناس قد جُرح، وبداعي طغيانهم قد سُحق، وبضربه وجلده قد شُفوا.. وأنه اضطُهد وتألم وامتُهن، دون أن يتململ .

الرد: إن الجبل الذي يسمّيه المعترض قوقاسوس ، هو جبل القوقاز . والشخص الذي قال عنه إنه صُلب هناك، هو المسمّى في الرواية بروميتيه .

وليعرف القارئ الحقيقة كما هي، نقول: إن كاتب هذ الرواية أراد، كما ذكر الأستاذ أندرييه، أن يحطّ من شأن السلطة المطلقة، التي كانت تسود بلاد اليونان في أيامه، وأن يُظهر مساوئها ومضارها، وأن يحثّ الناس على التضحية في سبيل مناهضتها، ليتمتعوا بالديمقراطية. فارتأى أن بروميتيه بعد ما ساعد جوبيتر في القضاء على أعدائه، والارتقاء به إلى مركز رب الآلهة حقد جوبيتر عليه (لأن بروميتيه كان يحب الناس ويساعدهم في شؤونهم) وعزم على إهلاكه وإهلاك الناس معه. فعارضه بروميتيه وأظهر له خطأه. لكن جوبيتر أصر على رأيه. وليتخلّص منه صلبه على جبال القوقاز، وأمر فلكان بتعذيبه، فكان هذا يغرس حديداً محمّى بالنار في جسمه، وبعد ذلك أهاج جوبيتر النسور عليه، فكانت تمزّق لحمه. وظل بروميتيه على هذه الحال، حتى أنقذه هرقل.

مما تقدم، يتضح لنا أنه بالإضافة إلى أن موت المسيح كفارة عن الناس هو أصلي في المسيحية، وقد شهد عنه أنبياء الله في العهد القديم، قبل ظهور كاتب رواية بروميتيه بمئات السنين، فإن هذه الرواية تختلف عن حادثة صلب المسيح من وجوه كثيرة، الأمر الذي يقضي على كل ظن بأن هذه الحادثة مقتبسة من الرواية المذكورة. فالمسيح قدّم نفسه باختياره للموت، أما بروميتيه فسيق للموت رغماً عنه. والمسيح قَبِلَ الموت كفارة عن خطايا الناس، أما بروميتيه فلم يمُتْ عن خطايا إنسان ما. وما تصوَّر مؤلف الرواية أن بروميتيه قد عمله، هو ما عمله ويعمله كثير من الأحرار في كل زمان ومكان. لكن مَن مِن الناس أو غير الناس استطاع أو يستطيع أن يعمل ما عمله المسيح؟

فهو مع أنه هو الذي له وحده البقاء (أو عدم الموت) رضي أن يسلّم نفسه فدية، ليس عن أناس قديسين، بل عن عصاة أشرار، لينقذهم من سلطة الخطيئة وعقوبتها، ويؤهّلهم للتوافق مع الله في هذا العالم، وفي الأبدية أيضاً. أما القول إن بروميتيه جُرح بسبب ذنوب الناس، و سُحق بداعي طغيانهم فليس له أساس في الأساطير، وهو منقول عن نبوة إشعياء النبي، التي نادى بها عن صلب المسيح قبل هرقل بمئات السنين (إشعياء 53). وكان من الواجب على المعترض، إذا أراد أن يستعير أسلوب الكتاب المقدس، أن يقول: إن بروميتيه جُرح بسبب دفاعه عن الديمقراطية، و سُحق بسبب إخلاصه لها . لكنه شاء أن يزوّر الحقائق الثابتة، فيأخذ الآيات التي قيلت عن المسيح ويسندها إلى بروميتيه، ليوهم البسطاء أن العقائد المسيحية مسروقة من الأساطير القديمة!

5 - كان قدماء المصريين يحترمون الإله أوزيريس، ويعدّونه أعظم مثال لتقديم النفس ذبيحة من أجل الناس، لينالوا الحياة الأبدية .

الرد: نذكر فيما يلي أسطورة أوزيريس نقلاً عن أوثق المصادر: زعم قدماء المصريين أن أوزيريس أحب أخته إيزيس واقترن بها، وأنه كان يحب خير الناس وهناءهم، ويعمل كل ما في وسعه لإنقاذهم من فقرهم وجهلهم، وأنه كان يطوف جميع أرجاء البلاد، ليتفقد شؤون الناس وينشر الرخاء والحضارة بينهم. ولكن أخاه (ست) كان عدواً لكل خير وهناء، ولذلك كان ينتهز فرصة غياب أوزيريس عن بلد ما، ويقضي على كل أعماله الصالحة فيها، ولولا حرص إيزيس وسهرها، لكان قد قضى على كل هذه الأعمال. وأخيراً فكّر في حيلة للقضاء على أوزيريس نفسه، فعرف بطريقة ما حجم جسمه، وعمل صندوقاً بهذا الحجم تماماً، من ذهب وأحجار كريمة. ثم أخذه معه إلى وليمة عظيمة، كان مدعواً إليها أوزيريس، وأثناء تداول الحديث بين الحاضرين، قال إنه على استعداد أن يعطي هذا الصندوق، لمن كان حجم جسمه مثل حجم الصندوق تماماً. فأخذ الحاضرون يجربون الصندوق واحداً بعد الآخر، ولكنهم وجدوا أنه لا يناسب أحداً منهم. وأخيراً تقدم أوزيريس ورقد في الصندوق ليجرّب حظه، فأغلق ست الصندوق في الحال، وألقى به في النهر، فحمله النهر إلى البحر. وبعد مدة من الزمن عثرت إيزيس على جثة زوجها، وأعادتها إلى مصر. وفي يوم ما ذهبت لزيارة ابنها حورس، فأتى ست وأخذ جثة أوزيريس وقطّعها قطعاً صغيرة (قيل إنها كانت 14 قطعة وقيل إنها كانت 42 قطعة، وقيل إنها كانت 72 قطعة)، وقذف بها في جهات متفرِّقة. فلما علمت إيزيس بذلك، أخذت تبحث عن أجزاء جثة زوجها، وتدفن كل جزء تعثر عليه. ولما كبر حورس انتقم من ست شر نقمة. أما أوزيريس فقد عاش في العالم السفلي، وأصبح إله الأموات. وفي رواية أخرى إنه لما مات أوزيريس بكت عليه إيزيس، فسقطت دموعها على صندوقه، ولذلك قام على الفور، وعاش مرة ثانية على الأرض. وفي رواية غيرها أن أوزيريس كان يغرق كل عام في وقت الفيضان، وكانت أخته تنزل إلى الأعماق لتنتشله من الغرق.

مما تقدّم، يتضح لنا أنه بالإضافة إلى أن موت المسيح كفارة عن الناس أصلي في الكتاب المقدس، وقد شهد عنه أنبياء الله في العهد القديم قبل حدوثه بمئات السنين، فإن الأساطير التي قيلت عن أوزيريس تختلف كل الاختلاف عمَّا ذكره الكتاب المقدس عن موت المسيح، الأمر الذي يقضي على كل ظن بأن خبر موته قد نُقِلَ عن الأساطير. ولذلك كان من الواجب على المعترض أن يلزم النزاهة فلا يقول إن أوزيريس مات ذبيحة لأجل الناس لينالوا الحياة، بل يقول الأسباب الحقيقية التي زعم قدماء المصريين أنها أدّت إلى موته. ولكنه شاء، وما أسوأ مشيئته، أن يزِّور الحقائق الثابتة، فيُسند عمل المسيح الفريد إلى أوزيريس، ليُوهم بسطاء المسيحيين أن عقائدهم مسروقة من الأساطير الوثنية!

6 - ورد في كتاب )اث ا غسفثقغ ب -ثسعس مهبث( أن العلماء عثروا بين الآثار المصرية على تاريخ إنسان يشبه المسيح في مولده وحياته وموته وقيامته، كل الشبه. ولذلك إن لم تكن سيرة المسيح مقتبسة من الأساطير السابق ذكرها، تكون مقتبسة من سيرة هذا الإنسان .

الرد: تاريخ قدماء المصريين، وغيرهم من الشعوب القديمة والحديثة، يخلو من أية إشارة عن مثل هذا الإنسان. فمن المؤكد أنه ليس إنساناً حقيقياً، بل هو إنسان خيالي، قام بصياغته مؤلف هذا الكتاب ليُدخل في روع البسطاء أن سيرة المسيح مقتبسة من تاريخ قدماء المصريين. ومما يثبت ذلك أيضاً، أننا رجعنا إلى الكتاب المذكور، ووجدنا أن مؤلفه قد استعمل في وصفه لهذا الإنسان، أسماء رجال ونساء وبلاد، كما أشار إلى أنظمة وتقاليد وعادات، لم تكن معروفة أو متَّبعة في مصر على الإطلاق، بل كانت معروفة ومتَّبعة في بلاد فلسطين وحدها. وهذا دليل قاطع على أنه أطّلع على سيرة المسيح المدوَّنة في الإنجيل، ثم صاغ منها قصة إنسانه المزعوم! وهكذا خانه التوفيق في مهمته، كما يخون غيره من المدّعين، وكشف بنفسه دون أن يدري، عن تزويره وسوء نيته.

أخيراً نقول، كردٍ عام على الاعتراضات السالفة، إننا إذا رجعنا إلى بدء معاملة الله مع البشر، الواردة في أول أسفار التوراة، وجدنا أنه بعدما أغوت الحيّة (أو الشيطان) حواء على مخالفة وصية الله، قال تعالى للحيّة (أو بالحري للشيطان) على مسمع من آدم وزوجته (أي قبل ظهور الوثنية على الأرض بأجيال عديدة): وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو (أي نسل المرأة) يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه (تكوين 3: 15، 16).

والحية اسم من أسماء الشيطان، فقد قيل بالوحي عنه: الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان، الذي يضل العالم كله (رؤيا 12: 9). والعرب أيضاً يسمون الحية شيطاناً (مختار الصحاح ص 338). ويطلق هذا الاسم على الشيطان، بسبب ما اشتهر به من الخداع والتضليل. وقد أشار الرسول بالوحي إلى هذه الحقيقة، فقال للمؤمنين: ولكني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها، هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح (2كورنثوس 11: 3). كما أن كلام الشيطان مع حواء، ليس بالأمر الغريب، فقد شهد السير أوليفر لودج وغيره من العلماء، بوجود الأرواح وعملها، وتحدُّثها مع بعض الناس.

وكلمة نسل في اللغة الأصلية التي تُرجم منها الكتاب المقدس، لا يُقصد بها الجمع بل المفرد، وفي اللغة العربية ايضاً النسل هو الولد (مختار الصحاح ص 657) . أما الجمع، فيُستعمل له في اللغة الأصلية كلمة أخرى تُرجمت إلى العربية أنسال وإلى الانكليزية ِثثيس ولذلك فالمقصود بنسل المرأة في هذه الآية، شخص واحد وليس أشخاصاً كثيرين. وقد أشار الرسول بالوحي إلى هذه الحقيقة فقال: وأما المواعيد (الخاصة بالبركة) فقيلت (بواسطة الله) في إبراهيم ونسله (بالمفرد). لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد، في نسلك، الذي هو المسيح (غلاطية 3: 16)، وذلك بوصف المسيح هو الله الظاهر بين الناس، ليباركهم ويعطيهم حياة أبدية.

وبما أن النسل يُنسب إلى الرجل وليس إلى المرأة، إذن فإسناد النسل هنا إلى المرأة دون الرجل، إشارة إلى أن الذي يسحق رأس الحية، سيُولد من امرأة دون رجل، أو بالحري يولد من عذراء.

ويتضح من هذه النبوة أن المسيح يسحق رأس الشيطان، وأن الشيطان يسحق عقب المسيح. وسَحْق الرأس معناه القضاء التام أو بالحري الهلاك الأبدي، وسَحْق العقِب معناه التعقُّب حتى إنهاء الحياة الأرضية. وإذا رجعنا إلى الإنجيل، وجدنا أن هذه النبوّة قد تحققت تماماً، فالمسيح نزع سلطان الشيطان عن المؤمنين، بتكفيره عن خطاياهم وإعطائهم القوةالكافية للانتصار عليه (يعقوب 4: 7)، كما أعلن أنه سيقضي عليه أيضاً قضاءً تاماً في آخر الدهور (رؤيا 20: 10). والشيطان من جانبه كان يتعقَّب المسيح منذ ولادته، فكان يهيّج الملوك والرؤساء ضده، المرة بعد المرة ليقتلوه (متى 2: 7-17، 4: 1-11، لوقا 4: 28-30). ولكنه لم يفلح في أية مرة من هذه المرات، لأن ساعة انتقال المسيح من هذا العالم، لم تكن قد جاءت حينذاك.

لكن عندما جاءت هذه الساعة، سمح المسيح للشيطان أن يثير الأشرار كعادته، ليفعلوا بالمسيح ما كانوا قد أرادوا أن يفعلوه من قبل. فأخذوه وصلبوه (وطبعاً ما كان لهم أن يصلبوه رغماً عنه، فحياته كانت ملكاً له، وكان له السلطان المطلق في تسليمها وعدم تسليمها). وقد انتهز المسيح هذه الفرصة، كما انتهز غيرها من قبل، وأظهر كماله المطلق ومحبته التي لا نهاية لها للبشر، على الرغم من شرورهم وآثامهم. ولذلك فإن الشيطان حتى في نجاحه في تسليم المسيح للموت، قد فشل فشلاً تاماً في أغراضه، لأنه بقبول المسيح للصلب، قد قضى على الخطيئة قضاءً تاماً، واجتذب إليه البشر بقوة لا مثيل لها، وحرر المؤمنين منهم من الخطيئة تحريراً أبدياً - وبهذه المناسبة نرجو ألا يغيب عن ذهن القارئ أن الشيطان لم يكن ليقوى على إثارة الناس ضد المسيح لو لم تكن لديهم رغبة من قبل في قتله، لأن الشيطان لا يدفع إنساناً إلى عمل الشر، إلا إذا كان هذا الإنسان راغباً في عمله من قبل.

يقول تكوين 3: 15 إنه سيولد من امرأة شخص يسحق رأس الحية (أو الشيطان)، أو بتعبير آخر يقضي عليه وعلى سلطانه قضاءً تاماً. وبما أنه ليس هناك واحد من البشر يستطيع القيام بهذه المهمة، لأن الشيطان قد غلبهم جميعاً، إذ أسقطهم بمكره وخداعه في الخطيئة، وبما أنه ليس هناك أيضاً واحد من الملائكة يستطيع القيام بالمهمة المذكورة، لأن الملائكة خلائق محدودة، والخلائق المحدودة ناقصة وضعيفة ومعرّضة للسقوط في الخطيئة، إذن لا شك في أن الشخص الذي قيل عنه إنه سيولد من المرأة ويسحق رأس الشيطان، هو كائن لا حدّ لقدرته، وفي الوقت نفسه لا يخطئ على الإطلاق. وبما أن القادر على كل شيء، والمعصوم من الخطيئة، هو الله وحده، إذن فهذا الشخص هو الله. وبما أنه سيولد من المرأة، إذن فهو سيأخذ طبيعة إنسانية منها، أو بالحري يتجسد منها. وقد أشار الرسول في العهد الجديد إلى هذه الحقيقة، فقال: وإذ تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو (أي المسيح) كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت (أي موته على الصليب) ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت، كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية (عبرانيين 2: 14). وقال أيضاً: لكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس (الذي يقضي عليهم بالموت بسبب خطاياهم)، لننال التبني (غلاطية 4: 5) وما يتبعه من الحرية الروحية والحياة الأبدية.

فإذا تقدّمنا في مطالعة التوراة، وجدنا أن أنبياء كثيرين تنبأوا قبل الميلاد بمدة تتراوح بين 1000 سنة و750 سنة، عن تجسّد الله وقيامه بالتكفير عن الناس، بينما أقدم شخص، يقول الوثنيون إن إلهاً حلّ (أو تقمّص) فيه، وهو كرشنا، يرجع تاريخه إلى سنة 500 ق. م فقط. فحقيقة تجسد الله في المسيح. لم تظهر بظهور رسله فحسب، حتى كان يجوز القول إنها اقتُبست من الوثنية، التي كانت في العالم قبل ظهورهم، بل إن أنبياء الله في العهد القديم أيضاً، كانوا قد تنبأوا عنها بآيات واضحة من قبل ظهور أية فكرة عن حلول آلهة الوثنيين في أشخاص أو أشياء بمدة تتراوح بين 500 و250 سنة تقريباً. ولذلك ليس هناك مجال للظن، بأن الرسل قد اقتبسوا موضوع تجسّد الله من الوثنية، كما يقول المعترضون.

7 - يعتقد الوثنيون أن كرشنا وبوذا ولاؤتسزي وزاردشت قد وُلدوا من عذارى، كما يقول المسيحيون عن المسيح، الأمر الذي يدل على أنهم اقتبسوا فكرة الولادة العذراوية من الوثنيين .

الرد: (أ) ان حقيقة ولادة المسيح من عذراء، مثل حقيقة تجسّده، لم تظهر بظهور رسل المسيح فقط، حتى كان يجوز القول إنها اقتُبست من الوثنية التي كانت في العالم قبل ظهورها، بل أن أنبياء الله في العهد القديم تنبأوا عنها، بجانب تنبئهم عن تجسده، بآيات واضحة كل الوضوح، وذلك قبل ظهور أي اعتقاد بولادة آلهة الوثنيين من عذارى ب- 250 سنة تقريباً، فقد قال إشعياء النبي: ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (أي الله معنا) (إشعياء 7: 14). ولذلك ليس هناك مجال للظن بأن رسل المسيح قد اقتبسوا من الوثنية موضوع ولادة المسيح العذراوية، كما يقول المعترضون.

وما يزيدنا يقيناً بذلك، ان براهما وسيفا المعتبرين من أشهر الآلهة عند الهنود، قيل عن براهما إنه وُلد من براعمان الروح الأعظم، في زهرة اللوتس، كما تقول رواية، أو في البيضة الذهبية، كما تقول رواية أخرى. وقيل عن سيفا إنه وُلد من اقتران براهمان بالفجر. وان ست وتفنيس وايزيس واوزيريس آلهة المصريين، قيل إنهم وُلدوا من اقتران السماء بالأرض. وهكذا الحال مع باقي الآلهة، فقد قيل إنهم وُلدوا من اقتران بعض الكائنات بالبعض الآخر، الأمر الذي يدل على أن الولادة العذراوية المعروفة لدينا في حالة المسيح، لم تكن معلومة عند الوثنيين على الاطلاق. ومع كل، فماذا يضيرنا لو كان نفر من الوثنيين يعتقد أن بعض آلهته وُلدت من عذارى، ونحن نعلم من كتب الأديان أن العذارى عند الوثنيين، هن الكائنات اللاتي لم يتزوجن، ووقفن أنفسهن على خدمة الآلهة والآلهات، وكنَّ يسلمن عرضهن للكهنة وغير الكهنة ابتغاء مرضاة هذه الآلهة والآلهات، الأمر الذي لا يُعقل معه مطلقاً أن تكون ولادة المسيح العذراوية الطاهرة قد اقُتبست من اعتقادات الوثنيين. فضلاً عن ذلك فقد شهد أعداء المسيحية أنفسهم، مثل هرنك أستاذ اللاهوت التاريخي بجامعة برلين، ولوازي أستاذ نقد المسيحية في جامعة كولج دي فرانس، ان ولادة المسيح من عذراء أصلية في الكتاب المقدس، وأنها ليست منقولة من أي دين من الأديان. )اث هقلهى *هقفا ب اقهسف ؛ز14( وماذا يضيرنا لو كان هذا النفر من الوثنيين يعتقد بهذا الاعتقاد، ونحن نعلم أن موضوع ولادة المسيح من عذراء لم يرد في الإنجيل فحسب، بل إن التوراة أيضاً أشارت إليه سنة 750 ق. م أي قبل اعتقاد هذا النفر من الناس بالولادة العذراوية المزعومة ب- 250 سنة كما ذكرنا أعلاه. فضلاً عن ذلك فإن القرآن نصّ على أن المسيح وُلد من عذراء.

(ب) فضلاً عن ذلك فإن القول بأن الوثنيين كانوا يعتقدون أن الأشخاص المذكورة أسماؤهم في الاعتراض، قد وُلدوا من عذارى، هو قول ملفَّق، أُريد به فقط اتهام المسيحيين الأوائل باقتباس عقائدهم من الوثنية. لأنه بالرجوع إلى الكتب التي قام أشهر الأساتذة بكتابتها عن الأساطير الوثنية، يتضح لنا أن كرشنا (أو الإله المظلم) كان الابن الثامن لأبيه فاسوديقا من زوجته الثانية ديفاكي . وأن بوذا وُلد من أب اسمه هوداثا ، وكان ملكاً وزعيماً لإحدى القبائل المشهورة، وان اسمه الحقيقي سيداثا ، واسم عائلته جوتاما . أما بوذا (أو بتعبير أدق البوذا)، فلقب من الألقاب التي كانت تُطلق عليه، ومعناها المستنير. ولاؤتسزي وُلد من أب كان حاكماً من حكام الصين المشهورين، واسمه الحقيقي بي بانج . أما لاؤتسزي فلقب من الألقاب التي كانت تطلق عليه، ومعناها الأستاذ القديم . وزرداشت كان أبوه من أذربيجان وأمه من الري، واسمها دغد .

8 - إن الرسل هم الذين أشاعوا أن المسيح وُلد من عذراء، ليؤمن الناس أنه هو الله .

الرد: فضلاً عن أن حقيقة ولادة المسيح العذراوية، هي من صميم نبوات التوراة التي كُتبت قبل ظهور المسيحية بمئات السنين، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الاعتراض، كما ذكرنا فيما سلف، فإننا إذا رجعنا إلى أقوال الرسل، وجدنا أنهم لم ينادوا للناس أن المسيح وُلد من عذراء، ليؤمنوا أنه هو الله، بل كانوا يقصرون شهادتهم عنه على تقديمه لنفسه كفارة عن الناس، وقدرته على إحياء نفوس الذين يأتون إليه منهم، ليمكنهم الارتقاء فوق أهواء الجسد وشهواته، والتوافق مع الله في صفاته وأفكاره. وقد أشار الأستاذ العقاد أيضاً إلى بطلان هذا الاعتراض، أو بالحرى إلى صحة ردنا عليه، فقال: ليس في الأناجيل أن معجزة الميلاد قد حملت أحداً على الإيمان برسالة المسيحية، بعد قيام المسيح بالدعوة (عبقرية المسيح ص 196) - وبهذه المناسبة نقول إن حقيقة ولادة المسيح من عذراء تفوق العقل والادراك، ولذلك ليس من المعقول أن يكون التلاميذ قد نادوا بها إلا بعد تأكدهم التام من صدقها، إما بواسطة إعلان واضح من الله، أو بواسطة حديث شخصي مع العذراء أو خطيبها، أو بهاتين الواسطتين معاً، ورجوعهم بعد ذلك إلى النبوات التي قيلت في التوراة عن هذا الموضوع - هذه النبوات التي كانوا يقرأونها من قبل، ولا يفهمون لها معنى.

9 - ان اسم اقهسف( كرايست)، المعروف في اللغة العربية باسم (المسيح) هو بعينه اسم (كرشنا) الإله الهندي، مع تحريف بسيط في اللفظ، وهذا دليل على أن المسيحية قد اقتُبست من ديانة الهنود الوثنية .

الرد (أ) إن وجود أي تشابه في النطق بين كلمة وأخرى، لا يدل في كل حالة على أن إحداهما مشتقة من الأخرى. فمثلاً إذا وضعنا حرف ل أو د بدلاً من حرف س في كلمة المسيح ، أصبحت المليح أو المديح . ومع أن الفرق في النطق بين كلمة المسيح وهاتين الكلمتين، أبسط من الفرق بين كلمتي كرايست وكرشنا ، فليس هناك شخص عاقل يستطيع القول إن كلمة المسيح مشتقة من الكلمتين المذكورتين، ولذلك فان هذا الاعتراض مرفوض شكلاً.

وهو مرفوض أيضاً موضوعاً، لأن كلمة كرايست في الانكليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات الأوروبية، مشتقّة من كلمة ء؛ٍِ ِ كرستوس اليونانية، وهذه الكلمة معناها الممسوح . ومنها اشتُقّت كلمة مسيح بنفس معنى ممسوح . كما تقول كحيل بمعنى مكحول ، وقتيل بمعنى مقتول . ومسيح أو ممسوح هو لقب من الألقاب الأصلية في الكتاب المقدس، فقد كان يُطلق منذ القديم على الأشخاص الذين يعينهم الله لتنفيذ أي قصد من مقاصده. واذا رجعنا إلى التوراة وجدنا أن السيد المسيح كان قد دُعي بهذا الاسم قبل ظهوره في العالم ب 1000 سنة تقريباً (أي قبل ظهور كرشنا ب 500 سنة)، ولذلك لا يُعقل مطلقاً أن يكون اسمه قد اشتُقّ من اسم كرشنا بأي حال من الأحوال، لا سيما وأن كلمة كرشنا ليس معناها الممسوح أو المعيَّن، بل معناها الإله المظلم . بينما معنى اسمالمسيح أنه ممسوح بدهن المسحة المقدس الذي كان مخصصاً لمسح الملوك والكهنة والأنبياء عند تنصيبهم في وظائفهم بصفة رسمية (2صموئيل 5: 3). ويراد بكلمة مسيح من الناحية المعنوية، الشخص المقام من الله لتنفيذ قصد من مقاصده، حتى لو لم يكن ممسوحاً بهذا الدهن (إشعياء 45: 1)، وقد أشار الأستاذ العقاد إلى هذه الحقيقة في كتابه عبقرية المسيح ص 11. ولذلك يُدعى المسيح أيضاً في الانكليزية أي الممسوح ، أما كلمة يسوع فمعناها يهوه يخلص - وقد أشار الأستاذ العقاد إلى هذه الحقيقة أيضاً في كتابه عبقرية المسيح ص 202 - وقد دُعي المسيح بهذا الاسم لأنه هو المخلص من الخطيئة ونتائجها (أعمال 4: 12). ومن البديهي ان يكون هو وحده الذي يستطيع القيام بهذه المهمة، لأن كل البشر بسبب وجود الطبيعة الخاطئة فيهم لا يستطيعون إنقاذ أنفسهم او غيرهم منها. وقد دُعي له المجد بهذا الاسم قبل ولادته بواسطة الملاك الذي بشّر العذراء (متى 1: 21) الامر الذي يدل على أن هذا الاسم هو اسم على مسمى، وليس مجرد اسم من الأسماء.

(ب) واذا أضفنا إلى ذلك ان كرشنا هذا كان معتبراً عند الهنود إله الشهوة ، لأن حياته كانت حلقات متواصلة من الدنس والفساد، كما ذكرنا فيما سلف، وأن حياة المسيح كانت على العكس، النموذج الفريد للطهارة والقداسة، لا يبقى هناك مجال للظن بأن المسيح الطاهر، أو شيئاً من التعاليم التي نادى بها، قد اقتُبس من ديانة الهنود (أو غيرها من الأديان) كما يقول المعترضون.

10 - إن اسم مريم أم المسيح، يشبه من جهة النطق أسماء أمهات بعض آلهة الوثنيين، فقد قيل إن أم أدونيس كانت تسمَّى ميرة، وأم هرمز كانت تسمّى مايا، وهذا دليل على أن المسيحية مشتقَّة من الديانات الوثنية .

الرد: اتضح لنا فيما سلف، أن وجود أي تشابه في النطق بين كلمتين، ليس في كل الأحوال دليلاً على أن إحداهما مشتقة من الأخرى، ولذلك فإن هذا الاعتراض مرفوض أيضاً شكلاً. وهو مرفوض كذلك موضوعاً، لأن اسم مريم هو من الأسماء الأصلية في الكتاب المقدس، فأخت هرون وموسى التي عاشت قبل الميلاد بأكثر من 1500 سنة تقريباً، كانت تُسمّى مريم (خروج 2: 4-10). وكلمة مريم ، كما تنطق بالعبرية، هي إحدى الكلمات الأصلية في هذه اللغة، ومعناها مرارة أو مرارة البحر . وقد سُميّت بهذا الإسم أيضاً كثيرات من النساء اللواتي عاصرن العذراء مريم، فمثلاً كانت هناك مريم إمرأة كلوبا (يوحنا 19: 25)، ومريم أم يعقوب (متى 27: 56)، ومريم أخت لعازر (لوقا 10: 41)، ومريم أم يوحنا مرقس (أعمال 12: 12)، ومريم المجدلية (لوقا 8: 2). وهذا دليل على أن استعمال هذا الاسم كان شائعاً بين اليهود، وليس مقتبساً من الوثنية، كما يقول المعترضون.

11 - العقائد التي وردت في الإنجيل لها ما يماثلها في الديانات الوثنية، فاليونان كانوا يقولون إن فيثاغورس هو ابن الإله أبوبون، وإنه لم يمت بل سيُبعث بعد حين، وكان قدماء المصريين يقولون إن حورس هو ابن الإله أوزيريس، وكان القبائل الحمر في أمريكا يعتقدون أن المخلّص الذي سيأتي إلى العالم، سيلقي بَرَداً على اللهيب ويتكفل برعاية جميع الناس، وكان البابليون يعتقدون أن مردوخ سيعود بعد موته لقمع الفتنة التي حدثت في بلادهم .

الرد: (أ) إن إسناد الوثنيين أبناءً إلى آلهتهم يرجع إلى اعتقادهم أنها كانت تقترن بالنساء، ولذلك لا يعقل مطلقاً أن تكون المسيحية قد اقتبست الاعتقاد ببنوة المسيح لله من الأديان الوثنية، لأن بنوته له تختلف كل الاختلاف في معناها عن جميع اصطلاحات البنوة المعروفة لدى البشر (كما اتضح في الباب الثالث، من كتاب: الله ذاته ونوع وحدانيته). فإذا أضفنا إلى ذلك، أن المسيح كان يُدعى ابن الله في التوراة قبل ظهور المسيحية بمئات السنين، لا يبقى مجال لهذا الاعتراض على الإطلاق.

(ب) إن الاعتقاد بمجيء مخلّص إلى العالم في آخر الزمان ليبارك جميع الساكنين فيه وينشر السلام بينهم ليس من اعتقادات القبائل الحمر وحدهم، بل كان ولا يزال من صميم اعتقادات البشر في كل العصور والأجيال. وقد أدرك كثير من رجال الفلسفة هذه الظاهرة، فقال بعضهم عنها إنها إرهاصات (وهي مواهب باطنية، يعرف بها الحاصلون عليها ما سيأتي به المستقبل من أخبار وأحداث). وقال البعض الآخر عنها إنها أحاسيس باطنية تملك على مشاعر البشرية، بسبب ما تشعر به من المتاعب والآلام.

ولكن مع تقديري لآراء هؤلاء الفلاسفة، فإني أرى أن السبب في الاعتقاد العام بمجيء مُخلِّص إلى العالم، يرجع إلى أن آدم وحواء، اللذين تسلسل منهما البشر جميعاً، كانا بناءً على وعد الله المباشر لهما (الذي ذكرناه في خاتمة الرد على الاعتراض السادس) يتوقعان بشوق حار مجيء شخص يخلّصهما من الخطيئة التي سقطا فيها، ومن البؤس الذي حلَّ بهما من جرائها. فورث البشر عنهما هذا الشوق، بحكم ولادتهم منهما، وظل كامناً في عقولهم الباطنة. ولما كان كل شوق في العقل الباطن لا بد وأن يعبِّر عن فحواه بوسيلة ما، كان من البديهي أن يعبّر الشوق المذكور أيضاً عن نفسه، تارة بأحلام وأخرى بآمال وأمانٍ، من جهة هذا المخلّص.

أما المسيحية، كما تبيّن لنا فيما سلف، وكما سيتبيّن بأكثر تفصيل فيما يلي، فلم تقتبس الاعتقاد بأن المسيح هو مخلّص العالم من الأديان الوثنية، أو من آمال البشرية وأمانيها، بل جاء هذا الاعتقاد إليها بظهور السيد المسيح في العالم، وشهادته عن نفسه أنه المخلص من سلطة الخطيئة وعقوبتها، وإثباته هذه الحقيقة عملياً بحياته وموته وقيامته، ثم اختبار الرسل للحقيقة المذكورة في حياتهم الروحية، وتحريضهم للناس على اختبارها والتمتّع بها. وكانت التوراة قد تنبأت بكل ذلك قبل ظهور المسيح بمئات السنين، ولذلك ليس هناك مجال للشك في أن الاعتقاد، بأن المسيح هو مخلّص العالم، أصلي في الكتاب المقدس، وليس مقتبساً من دين ما.

(ج) إن الاعتقاد بأن فيثاغورس سيُبعث بعد حين، وأن مردوخ سيعود بعد موته، مؤسس إما على الاعتقاد بتناسخ الأرواح أو تقمّصها، الذي كان منتشراً بين الوثنيين، أو على الاعتقاد بالرجعة الذي نبت عند بعض الفرق اليهودية، وانتشر منها إلى بعض الشعوب الأخرى. وإذا أضفنا إلى ذلك أن قيامة المسيح من بين الأموات تختلف كل الاختلاف عن عقيدة اليونان والبابليين وغيرهم في بعث آلهتهم أو أئمتهم في زمن ما (لأن المسيح قام بنفس جسده الذي مات، ورآه بعد قيامته كثيرون رؤية العيان)، اتضح لنا أنه ليس من المعقول أن يكون الرسل قد اقتبسوا موضوع قيامة المسيح من العقائد الوثنية، كما يقول المعترضون.

12 - معجزة تحويل الماء إلى خمر، المسندة إلى المسيح، قيل إن ديونيس إله الخمر قام بمثلها، وإن الركوب على أتان المسند إلى المسيح، قيل ان إله الشمس كان يقوم بمثله، لأن الحمل والحمار كانا من الحيوانات المقدّسة لديه، وهذا دليل على أن المسيح لم يكن شخصاً حقيقياً، بل أن سيرته مقتبسة من الأساطير الوثنية .

الرد: (أ) لا يخفى عن القارئ أن السبب في ادّعاء اليونان أن ديونيس حوَّل الماء إلى خمر، يرجع إلى رغبتهم في تشجيع الناس على شرائه وشربه، لأنهم كانوا يميلون إلى السكر والخلاعة، ولأنهم كانوا يملكون كروماً كثيرة يريدون بيع نتاجها. ولكن المسيحية تحرِّم الخمر، فقد قال الكتاب المقدس: لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة (أفسس 5: 18). كما قال لكل مؤمن: لا تكن بين شرّيبي الخمر، بين المتلفين أجسادهم.. لا تنظر إلى الخمر اذا احمرَّت، حين تظهر حِبابها في الكأس وساغت مرقرقة. في الآخر تلسع كالحية وتلدغ كالأفعوان (أمثال 23: 20، 31، 32).

أما الحالة الوحيدة التي صرّح فيها الكتاب المقدس بشرب الخمر فهي حالة المرض، فقد قال بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: لا تكن فيما بعد شرَّاب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة (1تيموثاوس 5: 23). ولا مجال للاعتراض على هذا التصريح، لا من الناحية الطبية أو الدينية، لأن الكحول الموجود في الخمر نافع لبعض أمراض المعدة إذا أُخذ بكمية قليلة، كما قال الرسول، ولأن الخمر من حيث هي مادة، ليس فيها شر، لكن الشر هو في سوء استعمالها - مثلها في ذلك مثل الأفيون، فإنه يُستعمل علاجاً في بعض الأمراض، ولكن إذا استعمل ك- مكيف كان شراً وإثماً.

والكلمة المترجمة الخمر يقابلها في اللغة العبرية عشر كلمات تدل على عشرة أنواع من الخمر، وأهمها ياين وتشمار ومثيخار . والأول يُراد به عصير العنب الطازج، والثاني يراد به عصير العنب المركّز، والثالث يراد به عصير العنب المخمّر. والصنف الأخير هو المُسكر، أما الصنفان الأولان فلا يُسكران إخعىلطس خىؤخقيشىؤث ؛ز 1053 ، وكانا يُستعملان عند الفلسطينيين كما يُستعمل القصب والعسل عند غيرهم. ويمكن أن نستنتج من أقوال العرب أيضاً أن كلمة الخمر تُطلق على سائل العنب الطازج وعلى المسكر معاً، وأن كلمة العنب عندهم هي نفس الكلمة التي تُطلق على الخمر عند غيرهم، فقد جاء في (مختار الصحاح ص310) السلاف ما سال من عصير العنب، قبل أن يُعصر . ثم جاء بعد ذلك ويسمى الخمر سلافاً . وجاء في أحد القواميس الوين، هو العنب الأسود وهذه الكلمة هي بعينها المستعملة في اللغات الأجنبية للدلالة على الخمر، فهي في الإنكليزية مثلاً ٍهىث . فلا يغيب عنا أنه إذا وردت في الكتاب المقدس آية تدل على فائدة شرب الخمر، كان الغرض من الخمر فيها هو نتاج الكرمة النافع للجسم، واذا وردت آية عن ضرر شرب الخمر، كان الغرض من الخمر فيها هو النوع المسكر.

وليعرف القارئ السبب الذي دعا المسيح إلى تحويل بعض الماء إلى خمر حتى تتضح له مغالطة المعترضين وتشويههم للحقائق، نقول: إن المسيح كان قد دُعي إلى عرس، ولما فرغت الخمر التي كانت فيه، قالت له أمه: ليس لهم خمر . فقام بتحويل بعض الماء إلى خمر (يوحنا 2: 1-11). ومن البديهي أنه لو كان قد حوَّل الماء إلى شراب آخر، أو حوَّل حجارة الأرض إلى فواكه أو طيور، لما كان عمله هذه يُعتبر وقتئذ معجزة، فالشرط الأساسي في المعجزة، هو أن تكون مناسبة لظروف الحال. وإذا اضفنا إلى ذلك، أن الخمر التي صنعها المسيح، لم تكن من نوع يُسكر، بل كانت من نوع جيد لا يُسكر، أو إن جاز القول، كانت من نوع يوقظ العقل وينبّهه، كما يُستنتج من سياق هذه الحادثة، لا يبقى مجال لهذا الاعتراض على الإطلاق.

فعندما ذاق رئيس المتكأ (وهو ضيف الشرف) الماء المتحوّل خمراً، ولم يكن يعلم من أين هي، قال لصاحب العرس: كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولاً، ومتى سكروا فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن . ومن هذا نستنتج أن ضيف الشرف والحاضرين معه كانوا قد دخلوا في دور السكر بسبب الخمر الأولى. ولكن عندما ذاق هذا الضيف الخمر الجديدة التي عملها المسيح، أفاق من سكره، أو على الأقل استيقظ عقله لدرجة أمكنه معها أن يميّز بين نوعين من الخمر.

(ب) أما عن الفقرة الثانية من الاعتراض، فنقول إن المسيح لم تكن لديه حيوانات مقدسة وأخرى نجسة، كما أنه لم يقتن طول حياته أي نوع من أنواع الحيوانات. كل ما في الأمر أنه لما قصد في أواخر خدمته أن يعلن لأورشليم التي رفضته، أنه ملكها الحقيقي الذي تنبأت التوراة عنه، رأى أن يدخلها كملك، لا راجلاً كما اعتاد من قبل، بل راكباً على دابة، كما كان يفعل الملوك. فأخذ أتاناً لأنها تتناسب مع هدوئه ووداعته وحياة البساطة التي كان يحياها. وقد سبق زكريا النبي، (الذي عاش سنة 500 ق.م) ورأى بروح النبوّة مشهد ركوب المسيح على الأتان كملك، فقال بالوحي: ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي اليك. هو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان (زكريا 9: 9، 10). ولذلك ليس هناك مجال للظن بأن رسل المسيح قد اقتبسوا موضوع ركوبه على أتان من أي دين من الأديان.

13 - إن الخبز والخمر اللذين أعطاهما المسيح لتلاميذه، واللذين يتناولهما المسيحيون إلى الآن في العشاء الرباني، كان يتناولهما الوثنيون من قبل في عبادة مثرا وهذا دليل على أن سيرته مقتبسة من الأساطير الوثنية .

الرد: إن استعمال الخبز والخمر معاً لم يكن معروفاً في عبادة مثرا وحدها بل إن معظم أهالي فلسطين وغيرهم من الشعوب كانوا يهتمون بهما كل الاهتمام دون أن تكون لهم أية علاقة بمثرا، إذ أنهم كانوا يستعملونها كطعام رئيسي يتغذُّون به على مدار السنة. فإذا رجعنا إلى التوراة وجدنا أن موسى النبي كان قد وعد بني إسرائيل بأن يبارك قمحهم وخمرهم، إن عملوا بأحكامه (تثنية 7: 13)، وأن داود النبي قال إن الله أعطى الإنسان خمراً تفرِّح قلبه وخبزاً يسنده (مزمور 104: 15)، كما قال إن الغذائين الرئيسيين اللذين كان يعتزّ بهما الناس ويعتمدون عليهما، هما الحنطة والخمر (مزمور 4: 7). وإن سليمان الحكيم قال إن الصالحين يأكلون خبزهم بفرح، ويشربون خمرهم بقلب طيّب (جامعة 9: 7). وإن ملك اشور قال إن بلاده هي بلاد حنطة وخمر وخبز وكروم (اشعياء 36: 17). فلا مجال للظن بأن المسيح اقتبس إعطاء تلاميذه الخبز والخمر، من أتباع مثرا أو غيرهم.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن الاقتباس من الأديان الأخرى لا يكون إلا لمجرد التقليد، وأنه لا يكون إلا عند إنشاء دين أو مذهب جديد، وأن السيد المسيح لم يقدِّم لتلاميذه الخبز والخمر اعتباطاً أو تقليداً كما كان يفعل قوم من الأقوام، بل لغاية روحية خاصة لم تكن معروفة عند أحد من قبل (وهي المواظبة على تذكُّر موته على الصليب فدية عنهم، وعن غيرهم من البشر)، وأنه لم يقدمهما لتلاميذه في بدء علاقته معهم أو أثناءها، بل قبل موته مباشرة، هذا الوقت الذي لا يفكِّر أي مشرّع لدين جديد في إتيان عمل من نوعه. فضلاً عن ذلك، فإنه لم يأت بالخبز والخمر من عندياته، بل كانا موجودين أمامه على مائدة الفصح، التي كان يعدُّها كل إسرائيلي تذكاراً لخروجه من أرض الفراعنة، على يدي موسى النبي. فالخبز كانوا يأكلونه على هيئة فطير (خروج 12) أما الخمر فبناء على تقاليد آبائهم. وكانوا يتناولون ثلاثة كؤوس: الأولى قبل تناول خروف الفصح، والثانية أثناء تناوله، والثالثة عند الفراغ من تناوله. وقد أشار لوقا الانجيلي إلى الكأس الأولى (لوقا 22: 17). ويُقال إن السبب في تناولهم الخمر في هذه المناسبة هو الاعتراف به غذاء هاماً أنعم به الله عليهم مثل غيره من الأغذية، ولذلك كانوا يرفعون الشكر إليه من أجله.

من هذا يتضح لنا أنه لا يمكن أن يكون المسيح قد اقتبس موضوع العشاء الرباني من هؤلاء الوثنيين أو من غيرهم.

14 - يُعرف يوم الأحد في الانكليزية ب- )sunday(يوم الشمس)، وتلاميذ المسيح يُقال إن عددهم كان 12 تلميذاً، وهذا هو عدد بروج الشمس أيضاً. ولذلك لا شك في أن المسيحية قد اقتبست من الديانة الشمسية .

الرد: (أ) كان يوم الأحد يسمى بالإنكليزية ) sunday ( قبل دخول المسيحية بلاد الإنكليز، ولذلك فإن تسميته بهذا الاسم ليس دليلاً على أن المسيحية اقتبست من الديانة الشمسية، بل دليل على أن الإنكليز كانوا يعبدون الشمس قبل إيمانهم بالمسيح. ومما يثبت أيضاً عدم قانونية هذا الاعتراض أن العهد الجديد، الذي هو أول إعلان ظهر عن المسيحية، لم يعبّر عن يوم الأحد باسم مقتبس من اسم الشمس أو غيرها من الكواكب، بل عبّر عنه ب- أول الأسبوع (أعمال 20: 7) أو يوم الرب (رؤيا 1: 10). كما أن اللغات القديمة التي انتشر بها الإنجيل في أول الأمر استعملت هذين الاسمين فحسب. فيوم الأحد في اللغة اليونانية هو كرياكي أي يوم الرب ، وفي اللغة اللاتينية هو دي دومينيكا أي يوم الرب ومن هذا الاسم اشتقت كلمة ديمانش الفرنسية، التي تطلق على هذا اليوم عينه. وفي اللغة القبطية هو بي أو أي أي اليوم الأول أو بتعبير آخر يوم الأحد كما هو معروف في اللغة العربية.

(ب) أما العدد (12) فهو من الأعداد الرمزية المستعملة بكثرة، لا في الإنجيل فقط بل وفي التوراة أيضاً، التي كُتبت قبله بمئات السنين. فمكتوب أن أبواب السماء هي 12 باباً (رؤيا 21: 12) وأن أساستها هي 12 أساساً (رؤيا 21: 14)، وأن عدد القديسين الذين سيحيطون بعرش الله هو 24 (12 + 12) قديساً يمثلون قديسي العهدين القديم والجديد معاً (رؤيا 5: 8)، كما أن أسباط بني إسرائيل كانوا 12 سبطاً، وأن أبناء إسماعيل كانوا 12 ابناً، وأن عدد الأحجار التي بنى بها إيليا النبي مذبحه كانت 12 حجراً، وأن الأحجار التي وضعها يشوع بن نون في كل من النهر وعلى البرّ كانت 12 حجراً (يعقوب 1: 1، وتكوين 25: 16، و1ملوك 18: 31، ويشوع 4: 3-24)، ولذلك فمن التجنّى على الحقيقة أن يُقال إن المسيحية قد اشتُقَّت من الديانات الوثنية، لأن رسل المسيح كانوا 12 رسولاً، أو لأي سبب من الأسباب الشكلية الأخرى.

15 - يُقال إنه عند ما وُلد بوذا، ظهر نجم من السماء، وأتى لزيارته أحد الحكماء، وإنه لما كبر جُرِّب بواسطة الشيطان، وإنه اختار بعد ذلك اثني عشر تلميذاً، وإنه كان يعلمهم تحت شجرة تين، وإنه استعمل كلمة حبة الخردل في أقواله، وإنه بفضله كان العمي يبصرون والعرج يمشون، كما قيل عن المسيح تماماً، وهذا دليل على أن سيرة المسيح مقتبسة من تاريخ حياة بوذا .

الرد: لقد درست كثيراً من الكتب المطوّلة عن البوذية لكبار الأساتذة والعلماء، فلم أعثر في أحدها على خبر من هذه الأخبار، إذ أنه لم يذكرها إلا كتاب صغير يحتوي على مقالات مقتضبة متفرقة لأشخاص مختلفين، وأسلوب هذا الكتاب ليس أسلوب العلماء الذين يرسلون أقوالهم بصراحة ويقين، بل أسلوب المحتالين الذين بدهاء ومكر يدسّون السم في العسل. ومع كلٍ فلنواجه اعتراضاتهم ونردّ عليها.

(أ) القول بظهور نجم عند مولد بوذا غير صحيح، ولكن المشاع عند معظم الوثنيين هو أن لكل إنسان نجمه، وأنه كلما كان الإنسان عظيماً كان نجمه واضحاً (أو عالياً، كما تقول العامة بيننا). وإذا كان الأمر كذلك، وكان النجم الذي ظهر يوم مولد المسيح، لم يظهر لليهود، بل لنفر في بلاد المشرق الوثنية، يكون الله قد سمح وكلَّم المُخْلصين في هذه البلاد بلغتهم، ليهديهم إلى الحق، الذي مع شوقهم إليه كانوا يجهلون السبيل إلى معرفته. وتصرُّف مثل هذا يتوافق مع كماله كل التوافق.

(ب) كان بوذا ابن ملك، ولذلك كان من المنتظر أن يزوره لا واحد فقط من الحكماء والعظماء، بل أن يزوره عدد كبير من أولئك وهؤلاء. ولكن هل يصح أن تُتخذ هذه الزيارة دليلاً على أن المسيحية مقتبسة من البوذية، لأنها ذكرت أن سمعان الشيخ الذي كان واحداً من أتقياء اليهود، رأى المسيح عندما كان في دور الطفولة؟!

(ج) كل شخص في الوجود عندما يقبل على عمل خطير، يجد نفسه بين عاملين: عامل الإقدام وعامل التقهقر، والعامل الأخير هو القصور الذاتي أو الضعف البشري. وبوذا لما وجد أن حياة الزهد والتقشف لا تُجدي، وجد نفسه بين عاملين، عامل الإقدام يدعوه إلى مواصلة سعيه وراء الحقيقة التي كان ينشدها، وعامل التقهقر يدعوه إلى العودة إلى عائلته وبيته. وقد شاء المحتالون أن يسمُّوا هذا الموقف من حياة بوذا بالتجربة، ويسمُّوا عامل التقهقر بالشيطان، ليجعلوا حياة المسيح (حسب وجهة نظرهم) مشابهة لحياة بوذا من بعض الوجوه. ولكن المسيح، لكماله المطلق، لم يكن للقصور الذاتي أو الضعف البشري مجال في نفسه، والتجربة التي مرَّ بها كانت بعمل الشيطان وحده. فضلاً عن ذلك، فإنه لم يتعرض لها بسبب تردُّد في نفسه، أو رغماً عن إرادته، بل واجهها بكل ثبات، وبمحض إرادته واختياره. كما أن الغرض منها كان يختلف عن الغرض من أي تجربة من التجارب، إذ كان ينحصر في إعلان كماله المطلق، على الرغم من اتخاذه جسداً ووجوده في عالم الخطيئة والشر مثلنا، وذلك ليتأكد جميع الناس أنه هو وحده الذي يستطيع أن يفديهم ويكفّر عنهم. فهل بعد كل ذلك تكون تجربة المسيح دليلاً على أن المسيحية مقتبسة من البوذية؟!

(د) تنص كل الأساطير على أن تلاميذ بوذا كانوا خمسة، ولم يقل إنهم كانوا اثني عشر تلميذاً إلا شخص غير مشهور يُدعى جاوارد . ولو فرضنا جدلاً أنهم كانوا اثني عشر تلميذاً، كما يقول هذا المدَّعي، فهل يصح أن يكون قوله دليلاً على أن المسيحية مقتبسة من الوثنية. والعدد 12 هو من الأعداد التي لها دلالتها الرمزية في الكتاب المقدس، والتي تستعمل بكثرة فيه، ليس في العهد الجديد فقط، بل وفي العهد القديم أيضاً، الذي كُتب قبل ظهور بوذا بمئات السنين؟!

(ه-) لم يكن المسيح يعلّم تلاميذه تحت شجرة تين، أو يلتقي بهم تحت مثل هذه الشجرة، كما يقول هؤلاء المحتالون، بل كان كما ذكر الكتاب المقدس، يمر في طريقه بشجرة تين. ومرة رأى شخصاً يُدعى نثنائيل (الذي صار فيما بعد أحد أتباعه) واقفاً تحت شجرة تين. لكن هل يصح أن يُتَّخذ هذا دليلاً على أن المسيحية مقتبسة من الوثنية؟ طبعاً كلا! لأنه لو كان شجر التين ليس له وجود في بلاد فلسطين، وذكر الكتاب المقدس أن المسيح مرّ بشجرة تين أو جلس تحتها، لكان من الجائز للمعترض أن يتخذ هذا القول ذريعة للاعتراض. أمَّا وشجر التين موجود بكثرة في بلاد فلسطين، وينمو بكثرة على جوانب الطرق فيها، ويجلس كثير من الناس تحته في فصل الصيف إتقاءً القيظ، فضلاً عن ذلك فإن الكتاب لم يذكر مطلقاً أن المسيح كان يعلّم تلاميذه تحت شجرة تين، أو يلتقي بهم هناك، بل ذكر أنه كان يعلمهم ويلتقي بهم عند شاطىء البحر، وعلى الجبل، وفي الحقول، وفي البيوت، وفي المحال العامة، فقد انتفى مجال الاعتراض أمام المعترضين.

(و) إن الاعتراض بأن بوذا استعمل في أقواله كلمة حبة الخردل كما فعل المسيح، دليل على أن المعترض لم يعثر في المسيحية على شيء يمكن أن يتخذه برهاناً على أنها مقتبسة من الوثنية. لأنه لو كان الخردل غير موجود في بلاد فلسطين، أو كانت العبارة التي استعمل فيها المسيح كلمة حبة الخردل هي نفس العبارة التي قالها بوذا أو شبيهة بها، لكان من الجائز للمعترض أن يتخذ ذلك سبباً للاعتراض. أما ونبات الخردل ينمو بكثرة في فصل الصيف في بلاد فلسطين، ومنه تُصنع المستردا وبعض الأدوية التي تُستخدم في علاج الروماتزم، وأن العبارة التي استعمل فيها المسيح كلمة حبة الخردل تختلف كل الاختلاف عن العبارة التي قالها بوذا، فلا مجال أيضاً لهذا الاعتراض على الإطلاق.

إن العبارة التي وردت فيها كلمة حبة الخردل من أقوال بوذا هي: ذات يوم أتت إلى بوذا امرأة ثكلى تلتمس منه العزاء والمواساة، فقال لها إنه يستطيع أن يعزيها ويواسيها إذا استطاعت أن تأتي له بشيء في حجم حبة الخردل، من بيت لم يدخله الموت . أما العبارات التي وردت فيها كلمة حبة خردل من أقوال المسيح فهي: يشبه ملكوت السموات حبة خردل، أخذها إنسان وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور. ولكن متى نمَتْ فهي أكبر البقول (متى 13: 31)، ولو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك، فينتقل (متى 17: 20).

(ز) أمَّا قول المعترض إنه بفضل بوذا أخذ العمي يبصرون والعرج يمشون فليس له أساس في الأساطير البوذية. لكن لنفرض جدلاً أن له أساساً في هذه الأساطير، فهل الحقيقة الواقعة تدل على صحة إسناد هذا القول إلى بوذا؟ ألم يكن بوذا إنساناً عادياً، كما شهد هو عن نفسه، وشهد معاصروه عنه؟ وهل هناك حقاً عمي أبصروا بفضله، وعرج استطاعوا أن يمشوا؟ وإذا كان الأمر لا يمكن أن يكون كذلك، ألا يكون الصواب هو أن هذه العبارة مجازية، قُصد بها أنه بفضل جهود بوذا، استطاع بعض الأشرار أن يسيروا في طريق الحق والاستقامة المصطلح عليه عند الناس وقتئذ؟ أما المسيح فمن الثابت لدى الجميع أنه شهد عن نفسه أنه الله، وأنه أثبت حقيقة لاهوته بحياته الكاملة ومعجزاته الفائقة، وبفضله حقاً كان العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبُرص يطهَّرون، والموتى يقومون، كما أنه بفضله حقاً أصبح الخطاة أبراراً والأشرار أطهاراً، بدرجة تفوق المقاييس جميعاً.

16 - كان يوم 25 ديسمبر (كانون الأول)، الذي يحتفل فيه المسيحيون في بلاد الغرب بميلاد المسيح، يوم عيد الشمس في العبادة المثرية، لأن هذا العيد كان يقع في 24 و 25 من كانون الأول (ديسمبر). وأن يوم 7 يناير، الذي يحتفل فيه المسيحيون في بلاد الشرق بميلاده، كان يوم عيد ديونيس إله اليونان، لأن هذا كان يقع في 6 و 7 من كانون الثاني (يناير). وأن عيد القيامة الذي يحتفل المسيحيون به في شهر إبريل (نيسان)، هو عيد الربيع الذي كان يحتفل فيه الوثنيون بقيامة تاموز وغيره من آلهتهم .

الرد: اليوم الذي يحتفل فيه معظم المسيحيين بميلاد المسيح في الوقت الحاضر، لم يرد ذكره في آية من آيات الكتاب المقدس، بل ولم يكن معروفاً على الإطلاق عند المسيحيين الذين عاشوا في القرنين الأول والثاني، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الاعتراض. وفي أوائل القرن الثالث، أخذ بعض أساقفة المسيحيين في إقامة أعياد دينية، لتكون تذكاراً للحوادث الهامة في تاريخ السيد المسيح. وعند قيامهم بهذا العمل اختلفوا على تحديد يوم عيد ميلاده، لأن اليوم الذي وُلد فيه لم يكن معروفاً وقتئذ لديهم، أو لدى غيرهم. وأخيراً استقر رأيهم على أن يجعلوا هذا اليوم في يوم من أيام الأعياد الوثنية، ليمنعوا ضعفاء الإيمان من التأثُّر بهذه الأعياد وما كان يجري فيها من ضروب الخلاعة والعهارة، فصادف هذا الرأي قبولاً عند معظم المسيحيين وقتئذ، فأخذ في الانتشار بينهم. فهؤلاء الأساقفة لم يقتبسوا الأعياد المسيحية من الوثنية كما يقول المعترضون، بل أقاموا في الأعياد الوثنية أعياداً مسيحية ليصونوا المسيحيين ضعيفي الإيمان من الاختلاط بالوثنيين والتأثر بعاداتهم التي لا تتفق مع مبادىء المسيحية وتعليمها.

أما عيد القيامة فلم يُقتبس من الديانة الوثنية كما يقول المعترضون، أو يُجعل في عيد من أعيادها كما كانت الحال مع عيد الميلاد، بل إنه كان يُقام منذ تأسيسه في أسبوع عيد الفصح، لأنه من الثابت تاريخياً أن السيد المسيح صُلب وقام من بين الأموات في هذا الأسبوع، كما يتضح من الكتاب المقدس والكتب التاريخية. وعيد الفصح هذا يقع دائماً في شهر نيسان المقابل لشهر ابريل، وكان الله قد أمر بني إسرائيل بالاحتفال به على يد موسى النبي قبل ميلاد المسيح ب 1500 سنة تقريباً (خروج 14: 1-31).

فإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وجدنا العهد القديم يحدّد الأعياد التي كان يجب على الإسرائيليين أن يعّيدوا فيها، بينما لا ينص العهد الجديد على وجود عيد يجب على المسيحيين أن يعيّدوا فيه. والآية الوحيدة التي ورد فيها ذكر عيد للمسيحيين هي: لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا. إذاً لنعيِّدْ ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق (1كورنثوس 5: 7، 8)، ومعنى ذلك أن حياة المسيحيين الحقيقيين يجب أن تكون بأسرها عيداً روحياً، عماده الطهارة والقداسة، والتوافق مع الله في أفكاره وصفاته.

17 - جمع كتبة الإنجيل آمال اليهود والوثنيين ثم ابتدعوا شخصية تتحقق فيها هذه الآمال، أطلقوا عليها اسم المسيح لأنه ليس هناك ما يثبت أن المسيح كان شخصاً حقيقياً، إذ أن الكتب القديمة خالية خلواً تاماً من الإشارة إليه .

الرد: (أ) تختلف عقيدة التجسّد في المسيحية كل الاختلاف عن عقائد التجسّد في الوثنية، ومبادىء المسيحية أسمى بدرجة لا حد لها من نظائرها في الوثنية واليهودية معاً، الأمر الذي لا يدع مجالاً لهذا الاعتراض بأي وجه من الوجوه. فإذا أضفنا إلى ذلك أن كتبة الإنجيل كان يختلف بعضهم عن البعض الآخر كل الاختلاف في النشأة والثقافة والبيئة والمهنة، وأنهم منذ ظهورهم كانت تحلّ بهم الاضطهادات وتشتتهم في بقاع الأرض المتباعدة، وأنهم كيهود، كانوا يعتقدون في أول الأمر أن المسيح لا يأتي إلى أهل العالم قاطبة، بل يأتي إليهم وحدهم ليباركهم دون غيرهم من الشعوب، ويؤسس لهم مملكة أرضية أعظم من مملكة سليمان بن داود، اتضح لنا أن ليس من المعقول إطلاقاً أنهم اجتمعوا يوماً، وجمعوا آمال الوثنيين وعقائدهم، ثم أضافوا إليها آيات التوراة الخاصة بمجيء مخلّص يحب كل الناس ويخلِّصهم من خطاياهم، ووفَّقوا بعد ذلك بين هذه وتلك، وابتدعوا شخصية تتوافر فيها آمال اليهود والوثنيين معاً، لأن أسباب الجمع والتوفيق والابتداع لم تكن متوافرة لديهم. بل المعقول هو أن الله الذي يعرف البشر على اختلاف أجناسهم، قد تنازل وحققها لهم في المسيح، ليتمتعوا جميعاً بالحياة الروحية الأبدية التي يتوقون إليها، وأنه اصطفى رسله القديسين لإذاعة هذه الحقيقة بين جميع الناس على اختلاف أجناسهم.

وليس من المعقول إطلاقاً أن يكون كتبة الإنجيل قد استطاعوا من تلقاء أنفسهم أن يستنتجوا من التوراة أن المسيح يموت على الصليب كفارة عن الناس، ويقوم بعد ذلك من الأموات، ثم أخذوا في تأليف حادثتي صلبه وقيامته، لأنهم لم يكونوا يعلمون في أول الأمر أن المسيح نفسه يُصلب ويموت في اليوم الثالث (إذ كانوا يظنون أن الآيات الواردة في التوراة عن الصلب خاصة بغيره). بل المعقول هو أنهم لما شاهدوا حياته وأعماله، وجدوا أنها تنطبق كل الانطباق على ما جاء في التوراة، ولذلك سجّلوها كما شاهدوها، ثم أشاروا إلى ما جاء في التوراة عنها.

ويتفق الاستاذ العقاد معنا على ذلك، فقد قال: كانت الدعوة المسيحية كما روتها الأناجيل، دون أن يتعمّد كتّابها تطبيق أحوال التطور، او تلتفت أذهانهم إلى معنى تلك الأحوال . وقال أيضاً: فكرة الله في المسيحية، لا تشبهها فكرة أخرى في ديانات ذلك العصر الكتابية أو غير الكتابية... وإن روح المسيحية في إدراك فكرة الله، هى روح متناسقة تشفّ عن جوهر واحد، لا يشبهه إدراك فكرة الله في عبادة من العبادات الوثنية. فالإيمان بالله على تلك الصفة، فتح جديد لرسالة السيد المسيح، لم يسبقه إليها في اجتماع مقوّماتها رسول من الكتابيين ولا غير الكتابيين، ولم تكن أجزاء مقتبسة من هنا وهناك، بل كانت كلاماً متجانساً من وحي واحد وطبيعة واحدة (عبقرية المسيح ص 126 والله ص 149 و 154).

(ب) كما أن الادّعاء بأن الكتب التاريخية القديمة خالية من الإشارة إلى حقيقة وجود المسيح لا نصيب له من الصواب أيضاً، فقد أشار إلى حقيقة وجوده مؤرخو اليهود واليونان والرومان الذين عاشوا في القرنين الأول والثاني، كما أثبتت حقيقة وجوده المستندات الرسمية في الحكومة الرومانية. فقال يوسيفوس المؤرخ اليهودي في تاريخه ص 314 ما ملخصه: عاش في ذلك الوقت إنسان، إن جاز أن يُسمَّى إنساناً، يُدعى يسوع، كان يصنع عجائب كثيرة ويعلّم الذين أرادوا أن يتعلموا الحق . وقال أيضاً: إن بيلاطس حكم على المسيح بالصلب، بناءً على إلحاح رؤساء شعبنا . وقال تاسيتوس الوثني: إن الناس الذين كان يعذبهم نيرون، كانوا يُلقَّبون بالمسيحيين نسبة إلى شخص اسمه المسيح كان بيلاطس البنطي قد حكم عليه بالقتل، في عهد طيباريوس قيصر . وقال لوسيان: إن المسيحيين لا يزالون يعبدون ذلك الرجل العظيم، الذي صُلب في فلسطين . وقال كلسوس: احتمل المسيح آلام الصلب لأجل خير البشرية . وإن كان قد قال هذه العبارة بلغة التهكم لأنه عاش ومات في الوثنية، إلا أنها تدل على أن المسيح كان شخصاً حقيقياً، وأنه قد صُلب فعلاً. وقال بليني الصغير حاكم بيثينيا في رسالة رفعها إلى الإمبراطور تراجان سنة 114م: عاقبتُ أتباع المسيح عقاباً شديداً، فترك ديانته بعضهم ولم يتركها البعض الآخر . كما أن الرسالة التي رفعها بيلاطس البنطي إلى طيباريوس قيصر مبيِّناً فيها الأسباب والظروف التي دعته إلى صلب المسيح، وصورة الحكم الذي أصدره ضده قد اطّلع عليهما كثير من المؤرخين في القرنين الأول والثاني، وأشاروا إليهما في كتبهم التي وصلت إلينا.

فضلاً عن ذلك فإن عدداً كبيراً من رجال الفلسفة المعاصرين لنا، والذين لا يتحيزون للمسيحية إطلاقاً قد شهدوا بحقيقة وجود المسيح، فقال سير ج. فريزر أستاذ علم الدين المقارن في جامعة كامبردج: إن نظرياتي في الأخلاق والاجتماع مؤسسة على أن يسوع المسيح كان شخصاً تاريخياً . وقال ج. موريس أستاذ التاريخ في جامعة نيوكاسل: نعتقد بناءً على ما لدينا من وثائق تاريخية أن يسوع المسيح كان شخصاً حقيقياً . وقال سمسون الأستاذ بكامبردج: ما هو فوق النقد البشري هو فوق كل نقد، لذلك لا يمكن أن يكون قد ابتدع سيرتَه إنسانٌ ما، بل لا بد أنه كان شخصاً حقيقياً . وقال جون ستوارت: القول إن المسيح ليس حقيقة تاريخية لا نصيب له من الصواب . وقال كلوزمر الَحبر اليهودي المشهور في كتابه (يسوع الناصري): الرأى القائل بأن المسيح لم يكن شخصاً حقيقياً غير صحيح، لأنه لا يُعقل أن يقوم دين يؤمن به ملايين من البشر، في جهات متباعدة بعضها عن البعض الآخر، على تاريخ غير صحيح . وقال العلامة نوح اليهودي: كيف يكون يسوع دجالاً، ومن حولنا أدلة لا عدد لها من السعادة والإيمان والحكم الصحيح والإحسان الحي العامل للخير الذي ينبعث من تعليمه! . أما عدم إشارة كل الكتّاب الذين عاشوا في القرنين الأول والثاني إلى المسيح، فيرجع إلى أن معظمهم كان لا يهتم إلا بالأحداث السياسية. والمسيح، كما نعلم كان بعيداً عن السياسة.

وقال الأستاذ العقاد: أول ما نرى أن أصحاب هذه الملاحظات (يقصد الاعتراضات) قد نسوه وأغفلوه ولم يقدِّروا قيمته، أن السيد المسيح هو صاحب الدين الذي كان أكثر الأديان نعياً على ظواهر المراسم والشعائر والنصوص. فمن الغريب أن يجعلوا تشابه المراسم